العَلمانية هي الحل!

رعد أطياف

أشعر بالانزعاج حينما أقرأ لكاتب عربي يوجه أهانه لنفسه أولاً وللقارئ ثانياً من خلال هذه القراءة التبسيطية لواقعنا العربي. ما عليه سوى تسويق هذه العبارة العزيزة على قلوب أمثاله "العَلمانية هي الحل"، وأن مشكلتنا تكمن بعدم الفصل الحقيقي بين الدين والدولة، وإننا شعوب مهووسة بنظرية المؤامرة، وإن الغرب سياسته تبحث عن المصالح ولا علاقة لها بأي عِداء تجاه الإسلام، وبدليل إنها تدعم السعودية على سبيل المثال!. نحن إزاء اكتشاف عظيم يبرهن لنا لماذا نحن" متخلفون"، فقد وجدها بعض هؤلاء الكتّاب، فنحن نعيش غربة مؤلمة عن العلمانية، وما علينا سوى الصراخ " واعلمانيتاه!" ليستفيق الوعي العربي من سباته الديني العميق!، ويتدفق علينا اللبن والعسل. فما علينا سوى البحث في " بورصة" الكتّاب، فهي من توفر كاتب حسب الطلب، ليخبرنا عن مدة جهلنا وتخلفنا لأننا ابتعدنا عن العلمانية. المشكلة ليست بصحّة هذه الحقائق وعدم صحّتها، وإنما في هذا الذل الذي يتسلل في لا وعي هؤلاء، فهم بارعون في ثقافة التقطيع والبتر، وعلى سبيل المثال حينما يحاولون تسويق سياسة المصالح، يسوقونها كما لو أنها قصيدة شعرية على الرغم من "واقعيتهم" السياسية التي يزعمونها. فعلى هذا المنوال يمكن القول: إن الولايات المتحدة بحصارها الذي يستنكره أشد الكواسر ضراورة على وجه الأرض، وباحتلالها للعراق وتخريبه، ودعمها الكريم لهذه الشلّة المتواجدة في الخضراء، أقول كل هذا سياسة مصالح، فلماذا نفكّر بالمؤامرة "يمعودين"!، غريب أمرنا! لماذا لا ننظر للجانب المشرق للولايات المتحدة أليست هي سياسة مصالح فليذهب العراق للجحيم. وكذلك ينطبق الأمر على السعودية، فعلى الرغم من المؤامرات التي تقودها السعودية، وعلى الرغم من انفراد السعودية كأكبر منبع للتطرف الديني بقيادة شيوخ التكفير الوهابيين، وعلى الرغم من تحويل اليمن إلى إطلال ومحاولة القضاء عليها بأبشع الطرق خسّة ونذالة؛ فإبادة الشعب اليمني بأحدث الأسلحة المتطورة والأمراض الفتّاكة يعد سياسة مصالح، فنحن العرب" أغبياء" كيف يمكننا الاعتراض على الولايات المتحدة وربيبتها السعودية على هذا الفعل الخسيس، أليست سياسة مصالح؟

هذه هي سياسة المصالح، ومن ثمّ ليس على هؤلاء الكتاب من حرج أن يخدعوا القرّاء بعبارات مكررة ومملة حد القرف والغثيان ليستغلوا حالة الضياع التي نشهدها، وهم بذلك لا يمارسون النقد الموضوعي، وإنما - كما عهدناهم- يقضمون ثلاثة أرباع الحكاية، ويتحذلقون بالربع المتبقي ليضيفون غربة أخرى إلى غربتنا. هنالك فرق واضح بين النقد الذي يمارس عملية التقويض والبناء معاً، ويكشف المسكوت عنه، ويفضح السياسات المهيمنة ( الداخلية والخارجية على حد سواء)، ويكشف عن البنية العميقة للتخلف الذي نعانيه، وعناصر هذه البنية ليست داخلية فحسب، وإنما يقف المهيمن الغربي شاخصاً وبقوّة ويمشي جنباً إلى جانب مع المهيمن الداخلي لتشكيل هذه البنية العصيّة على فهم الكتّاب الصغار.

إن الفكر النقدي ليس تسلية، ولا مهنة نحترفها لشراء عقار فاخر في أحد البلدان الغربية، إنه قوة تجاوزية تفصح عن نفسها من خلال التفكير الرصين لخلق إمكانات جديدة للفكر والحياة، ويظهر إن هذه الحقيقة عصيّة جداً على فهم الكتّاب الصغار الذين يتساوى لديهم بيع الضمير وبيع الأحذية على حد سواء، فكلاهما يأتي بمردود مالي يضمن لهم العيش الرغيد.