إعلام أم دور بغاء؟!

رعد أطياف

من يتأمل حال النخب العربية التي تتكدّس في المؤسسات الإعلامية والسياسية التي تشكل الرأي العام وطبيعة تعاطيها مع التاريخين التركي والإيراني، يصعب عليه تصنيف هذه النخب ضمن الفصيلة اللائقة بهم. ومن الصعب للغاية وضعهم ضمن سلسلة الكائنات اللائقة بهم. ذلك إنّ الإنسان هو الكائن الذي يشعر بالعدالة حسب الفلسفة الصينية، ولا يكفي أن يكون ناطقاً فقط، وهذه العيّنة التي نكتب عنها خير دليل على ذلك!.

فعلى الرغم من الإذلال والتنكيل والاحتقار الذي مارسه العثمانيون طيلة أربعة قرون باسم الإسلام، تبقى تركيا بكل تاريخها المشين كعبة لهؤلاء، ويتخذون “من الفرس المجوس” العدو الأول والأخير للعرب. حتى طبيعة الإذلال والتنكيل تتخذ صيغة تفاضلية؛ فالعثمانيون طعمهم لطيف ويضفي نكهة حلوة المذاق محببة للعربي المهزوم الذي تنخره الطائفية من رأسه إلى أخمص قدميه، والفارسيون طعمهم لاذع ويضفي نكهة مرة المذاق في ذهنية العربي الذي صدعنا وصدع العالم بقوميته المزعومة، تلك القومية التي تتخذ من التاريخ العثماني مصدر إذلال محبب لدى هؤلاء.

تبقى إيران خصماً “قومياً” لا يسقط من قاموس العرب الرجيم، وهذه الخصومة ل ايمكن ترجمتها كصراعٍ قومي بين العرب والفرس، بقدر تختبئ وراءه نوايا سيئة الصيت . نحن إزاء قومية عوراء عرجاء حولاء، وفي أبسط تحليل لأعماقها( إن كانت هناك أعماق) سنجدها تسبح في بحر من جيفة الطائفية النتنة، وتظهر رائحتها العفنة بعنوان مذهبي واضح كوضوح الشمس. يتفاضل الجلادون عند هذه النخب المريضة، ويتفاضل أصحاب المواقف في ثقافتهم الرثة؛ فتركيا الصديقة الأثيرة لدى إسرائيل ينبغي أن لا تعكر مزاح القوميين العرب، فهناك ألف عذر وعذر نلطشه لتركيا مادامت سنية أخوانيه تدين للسلف الصالح بكل آيات الطاعة والولاء، حتى لو كانت طاعة مزعومة ومكذوبة ومنافقة تختفي وراءها الأطماع التركية وشمخرتهم القومية واعتزازهم القومي العميق بإرثهم وتاريخهم (على عكس هذه النخب المنافقة).

وبالضد من ذلك تبقى إيران إلى أبد الآبدين ذلك الشيطان الرجيم حتى لو كانت مناهضة للمشروع الصهيوني، فيمكننا أن نلطش آلاف الحج والأدلة لتكذيب هذا العداء المزعوم بالنسبة لهؤلاء. كل ماتفعله إيران لايستهوي عاطفة هؤلاء، ولهم الحق في ذلك، فالريال السعودي لازال محافظا على رصيده الدسم الذي تختنق فيه جيوبهم وضمائرهم على حدٍ سواء.

المهم تبقى إيران شيعية فارسية مجوسية، فمزاج قوميتنا المرهف لايحتمل هذه الحقائق. لست في معرض الدفاع عن إيران وتسويقها كحمل وديع، فلها مالها وعليها ما عليها، وهي تسبح في ذات البحر، وسفينة الأتراك والإيرانيين واحدة تجاه العرب مهما اختلفت توجهاتهما المذهبية، فهذه الأخيرة ليست سوى شكلٍ تعبيري مثلما وضحنا سابقا. فالأتراك والإيرانيون لهم مصالح حيوية في منطقتنا العربية كدول إقليمية متغوّلة وتبحث عن مصالحها وترسّخ أمنها القومي. لكن وبضربة ساحر تتحوّل أربعة قرون عثمانية من التنكيل والاحتقار إلى تاريخ مشّرف لدى العرب فيما يبقى الفرس المجوس في دائرة بعض القناصين العرب المصابين بالحول المزمن.

وكمواطن أسعى أن يكون بلدي يماثل إيران وتركيا بقوة القرار السياسي، لا يشرفني أن أكون طرفاً أو بوقاً لهذا أو ذاك. لكنّي حزين جداً وأشعر بالغيض لأني ولدت في حقبة تاريخية كريهة وحقيرة تتحكم بها منظومة سافلة ومنحطة ومعدومة الضمير والإحساس تزور التاريخ والثقافة والقيم، منظومة يصعب تحديدها وتصنيفها؛ بأي دين يدينون، وعلى إي كعبة يتوجهون. أي بغاء يمارسه هؤلاء وأي انحطاط وسفالة روحية وعقلية تعاني منها هذه الشرذمة المنحطة. متى يقنعنا أبناء جلدتنا أنهم شرفاء ويحترمون حقائق التاريخ.

عن صفحة الصديق الكاتب على الفيسبوك