النائبة شروق العبايجي تبرئ السدود التركية ومنها "أليسو" من "دماء" دجلة والفرات وتتهم الطبيعة والتجاوزات الداخلية بارتكاب الجريمة!

العطش في العراق سببه في تركيا

علاء اللامي

أردنا من نواب البرلمان أن يكونوا عوناً لدجلة والفرات فظهروا بهيئة فرعون ونصف. هذا القول ينطبق تماما على أغلب الساسة العراقيين، الذين لو أنهم سكتوا لكن ذلك أشرف وأروح وأنظف لهم ولنا. ففي الوقت الذي يذوي ويموت الرافدان دجلة والفرات أمام أنظار الجميع، وتعترف أوساط عراقية ودولية بخطورة مئات، نعم مئات السدود التركية على النهرين، وفي وقت يستعد فيه العراقيون لاستقبال أكبر كارثة مائية بعد ثلاثة أشهر مع بدء تركيا بقطع نصف مياه دجلة تقريبا وتحويلها الى خزان سد أليسوا العملاق خلال ثلاث سنوات، في هذا الوقت المتأزم، تتطوع النائبة التي عملت كمهندسة في سنوات الاحتلال الأولى ضمن الفريق الهندسي في عهد الحاكم الأميركي بريمر شروق العبايجي، لتبرئ تركيا من مسؤولية الكارثة وتلقي بها على الدولة العراقية. تقول النائبة إن (السبب الاساسي -لأزمة المياه - هو التجاوزات الكبيرة على الحصص المائية من قبل المتنفذين بالدرجة الاساسية، هناك 30 الف حالة تجاوز على الحصص المائية حسب معطيات وزارة الموارد المائية.) بل تعلن بصراحة أن سد أليسو ليس هو السبب، وأن الأزمة (ليست وليدة لعوامل خارجية مباشرة، برغم النقص في الايرادات المائية في نهر دجلة لأسباب طبيعية) فالمسؤولية كما تريد النائبة أن تقنعنا تقع على الدولة العراقية التي لا تمنع التجاوزات في توزيع الحصص أولا وعلى الطبيعة ثانيا)، لحسن الحظ قالت "الطبيعة" ولم تقل كلمة أخرى!

لا يمكن نفي التجاوزات التي يقوم بها متنفذو الأحزاب الطائفية والقطط السمان من محدثي النعمة على الحصص المائية الداخلية ولكن هذه التجاوزات ليست هي السبب المباشر ولا الأهم في الأزمة المائية الخانقة والتي ستتحول إلى مذبحة حقيقية للعراقيين مع بدء تشغيل سد أليسو، فأنت حين تحرم العائلة من نصف الغذاء الخاص بها لا يمكن لك أن تعلل المجاعة بأن بعض أفراد العائلة سرقوا من حصص غيرهم! هذا ما يقوله المنطق والعقل السليمان أما العقل المضروب والمشبوه فله رأي آخر بكل تأكيد!

وقد يقول قائل، إن النائبة المذكورة تحدثت عن أزمة المياه قبل بدء الحكومة التركية بقطع المياه عن دجلة! ولكن هل أزمة المياه الداخلية في العراق جديدة؟ وهل  سببها الطبيعة كما تقول العبايجي؟ ألم يفقد الفرات أكثر من نصف مياهه حتى الآن بسبب السدود التركية؟ ألم يفقد دجلة كميات هائلة من مياهه بسبب المشاريع الإيرانية على روافده، وسيفقد نصفها تقريبا ولمدة ثلاث سنوات مع بدء تشغيل سد أليسو قريبا؟ ثم لماذا وضعت النائبة تصريحها في سياق الحديث عن الكارثة المنتظرة، وذكرت سد أليسوا بالاسم وبرأته مسبقا من المسؤولية؟ أي معنى لهذه التصريحات الساذجة والتبريرية والمشبوهة والتي تفوح برائحة التواطؤ؟ إذا كان هؤلاء النواب لا يحسنون الكلام فلماذا لا يكرمون الناس بسكوتهم؟

والطريف أن النائبة العبايجي تباهت على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي قبل أيام قليلة بأنها قدمت اقتراحا للبرلمان بأن ينضم العراق لدول اتفاقية هلسنكي للمياه ولم يوافقوا أو يهتموا به! فماذا تقصد النائبة باتفاقية هلسنكي؟ هل تقصد (دليل الارشادات الذي وضعته رابطة القانون العالمي في عام 1966)، وهي منظمة مدنية غير حكومية وضعت لاحقا لائحة إرشادات تسمى (معاهدة هلسنكي المائية) لاستعمال المياه في نطاق عالمي؟ أم تقصد محكمة المياه الدولية في مدينة (امستردام) الهولندية وهي (محكمة غير حكومية وغير معترف بها، و ليس للمحكمة أية قوة في تنفيذ قرارها، ولكن لها تأثير أعلامي تأسست سنة1981من قبل منظمات حماية البيئة) كما يخبرنا الباحث الهولندي بيوار خنسي؟

وما قيمة الانضمام إلى هذه المنظمة المدنية التي لا سلطة ولا قرار لها، وترك الأمم المتحدة واتفاقيتها القانونية الخاصة بمجاري المياه الدولية لأغراض غير ملاحية، والتي تكرست وأصبحت نافذة المفعول منذ سنة 2014، ويمكن للعراق الاستناد عليها في مقاضاة تركيا أمام المحاكم الدولية كما يمكنه استصدار قرارات من الأمم المتحدة تؤكد حقوقه المائية وتسهل عليه نيلها؟ أم أن النائبة المهندسة لا علم لها بذلك وماتزال على معلوماتها القديمة التي كتبتها في مقالة لها في جريدة المدى بتاريخ 23/2/2013 حول الموضوع؟ إنني من حيث المبدأ لست ضد الانضمام الى منظمات لاحكومية ومحاكم شعبية إعلامية لا قرارات ملزمة لها كمنظمة هلسنكي واتفاقيتها البيئوية، بل أرى ضرورة ووجوب وراهنية ذلك ولكني أتساءل لماذا تترك قوانين دولية ملزمة ويركض أمثال النائبة العبايجي خلف الوهم والإعلام والفرقعات؟ هل هو الجهل أم التواطؤ أم شيء آخر؟

إن هذه النائبة وأمثالها من نواب ومسؤولين مدنيين وإسلاميين -فهم سواء بل ويتنافسون في البؤس والدوس على حقوق العراقيين وفي التبعية للأجنبي-إنهم لا يريدون أن يسمعوا ما يقوله الخبراء والمتخصصون والسلطات الرسمية ومن ذلك مثلا ما نشر في الإعلام قبل عامين وأكثر:

*ذكر الدكتور حامد الدباغ رئيس جامعة المستنصرية العراقية سابقا (أن استئثار تركيا بكميات كبيرة من مياه نهري دجلة والفرات، لن يعرض مشاريع الري وتوليد الطاقة الكهربائية في سوريا والعراق لأضرار بالغة فحسب، بل يعرضهما لخطر الجفاف وحلول الكوارث أيضا).

*ذكر مصدر في وزارة الموارد المائية العراقية (أن وارد نهر دجلة الطبيعي من المياه عند الحدود التركية والبالغ نحو 20.93 بليون متر مكعب سنويا، سينخفض عند إنشاء السد (سد أليسو) إلى 9.7 بليون متر مكعب سنويا من المياه. كما أن السد سيحرم 696 ألف هكتار من الأراضي الزراعية العراقية من المياه).

*كلمة أخيرة: أبلغني بعض الأصدقاء بوجود تصريحات مشابهة لثلاثة نواب من البصرة والنجف والموصل تجري المجرى السيء ذاته لتصريحات النائبة شروق العبايجي ولكنهم لم يوثقوا هذه التصريحات حتى الآن، وليس من عادتي أن أكتب دون توثيق، وأنا بانتظار توثيقها لنعقد لهم جلسة فيسبوكية "غسل ولبس" ع ل!

- رابط تصريحات العبايجي

 http://aletejahtv.org/permalink/194544.html

- رابط تصرحي الدباغ ووزراة الموارد المائية العراقية :

http://www.alquds.co.uk/?p=384513