من يجيبنا على هذا السؤال المؤرّق؟

رعد أطياف

إن كانت ثمّة دعوات للقطيعة مع المنجز الغربي فهي بالتأكيد دعوات لا تحتاج منّا جهداً مضاعفاً لإثبات جنون مدعيها إن وجدوا. لكن السؤال المهم: ما هي الكيفية التي تجعلنا ضمن التراث الغربي العظيم؟ ذلك التراث الذي "يبدأ" من اليونان وينتهي بأكبر الفتوحات العلمية والإنسانية، ذلك إن أغلب المفاهيم التي نتداولها التي تشكّل البنية الأساسية لأنماط تفكيرنا هي- بشكل عام- ذات طابع غربي بشقيها العلمي والإنساني، وما يندرج تحت هذين الحقلين من تفاصيل هائلة. وبالتأكيد نطمح على أن يكون حوارنا مع هذا التراث الغني والخصب بمعزل عن القرار السياسي الغربي، فإن تدخل هذا الأخير سوف لا نرى سوى حكومات عربية فاسدة، و" برجوازيات تابعة" تحل محل " البرجوازية الوطنية"، ومديونية عالية يبارك لها صندوق النقد الدولي، وطبقية مخيفة وتفاوت حاد في دخل المواطن، واقتصاد كسول يعتمد على ريع النفط.. وعلى ما يبدو تجتاحنا رغبة جامحة في كيفية التواصل مع التراث الغربي، ولشدة عجزنا - ولنا حق بشكل عام- وتنازلنا عن حق الاستقلال ورضينا بكل الحلول طالما تضمن لنا هذه الحلول انفتاح الحضارة الغربية على مصراعيها تجاهنا. فقد كانت معاهدة كامب ديفيد ترجمان أمين لهذا الأمر، تمخضت عن هذه المعاهدة الحفاظ على مصر من خطر الزوال من الجغرافية!، لكن ظلت مصر كما هي عليه، لا بل تضاعف الأمر بشكل مريع، ولم يصنع السلام من مصر دولة مزدهرة مع " الجارة" إسرائيل، بل حصلت مصر على مكرمة "عظيمة" هذه المرّة من خلال دعم الإخوان المسلمين السخي من قبل دويلة قطر المدعومة من الولايات المتحدة. وبهذا تكون إسرائيل قد حققت مفهوم" الأمن القومي". ولهذا المفهوم دلالاته الواضحة في وجدان الصهاينة، فهو مفهوم يتجاوز الجغرافية المحلية ويمتد في عمق الخارطة العربية ليحيلها إلى سكون مطلق، ليكف العرب عن إزعاج إسرائيل مرّة أخرى!.

 

كان الدرس العراقي من أبرز الدروس الموجعة التي لقن فيها السياسي الغربي مجتمعنا دروساً لا تمحوها الذاكرة، فقد جلب لنا " ديمقراطية" توافقية تتلاءم مع النسيج المجتمعي العراقي مثلما يزعمون، ولأنه "براغماتي" فلن يفوّت هذه الوثبة! السياسية، ولكي تكتمل البراغماتية جلب لنا " معارضين" سابقين لحكم البعث، وقد تم تنصيبهم - ديمقراطياً طبعاً- لكي يلتهموا الأخضر واليابس ويجعلوا العراق في مقدمة الأنظمة الفاسدة التي لم يتوفر لها نظير على مر التاريخ. لكنّ كونداليزا رايس كان لها رأي آخر، ذلك إنها صرّحت إن دخولهم العراق لم يكن من أجل الديمقراطية، وإنما لإسقاط صدام حسين.. المهم كانت الديمقراطية " زيادة خير". ولكي نكتوي بسعير الديمقراطية الجهنمي باغتنا الداعشيون من كل حدب وصوب، وتاه العراقيون في فلك الحرب وتكبدوا خسائر فادحة تنضاف إلى سجل السرقات المفتوحة من قبل جماعة الخضراء. لكن - ويا للحسرة- صرّح هذا " الفتّان" النزق ترامب ليظهر وشاية بغرمائه الديمقراطيين ويعلنها أمام الملأ باللغة الانكليزية الفصيحة من أن أوباما والسيدة كلينتون صنعوا داعش، وعلى ما يبدو أنها سُنّة أمريكية في صنع الجماعات الإرهابية، فلابد من ربيب أمريكي جديد ينوب عن تنظيم القاعدة على أن يكون إسلامياً حصراً. الكلام يطول عن تاريخ الولايات المتحدة في صنع الحكام ويصعب علينا الإحاطة به في هذه العجالة، ومن تُستَثار حساسيّته العاطفية تجاه السياسة الغربية، فعليه أن يردد مع نفسه هذه المقولة العزيزة على قلوب الكثير" إنها سياسة مصالح" ليريح ضميره!. لكن نرجع للسؤال الأبدي: ما هي الكيفية التي تجعلنا ضمن التراث الغربي العظيم؟. على ما أظن( وإن بعض الظن إثم) إن الجواب تقرره دوائر البحث الأمريكية، وهذه الأخيرة لا تجد لها ناصراً ولا معين ما لم يناصرها اللوبي الصهيوني الذي يتخلل في كل مسامات القرار السياسي هناك، وقد يتضح لاحقاً إننا "متوهمون" وقد أخذت " نظرية المؤامرة" منّا مأخذاً لدرجة إننا لم نفهم الكيفية التي يعاملنا بها السياسي الغربي الذي اتهمناه كثيراً واتهمنا معه إسرائيل، حتى لو كبّدَنا حصاراً دام لعقدين ودمّر البنية التحتية وأرجع العراق إلى ما قبل التاريخ، أليس السياسة هي لعبة مصالح، فلماذا لا نكون مشاريع قتل مجانية لهذه اللعبة؟!