عن التفجيرات الإرهابية في العراق: الدوامة...

عارف معروف
ما من تفجير ارهابي حصل في العراق ، ومنذ 2003 حتى اليوم الاّ واعقبته هذه المشاهد الثلاثة :
1-بعد نقل الضحايا والجرحى من قبل السابلة او سيارات الاسعاف وبمنتهى العشوائية ودون ادنى مراعاة لشروط نقل المصابين والجرحى يحضر تانكر الماء او سيارة الاطفاء لغسل الشارع وتنظيفه من بقايا الدماء واشلاء الضحايا ...
2- يفزع الشباب لتنظيف بقايا الحطام بهّمة وحميّة بالمكانس وخراطيم المياه ......
3-يصرحُ مسؤولٌ امنيٌ رفيع المستوى ( يحضر الى مكان التفجيرلاحقا مع " الهلّم " كلها او يكتفي بالتصريح التلفزيوني ، لا فرق ) بأن التفجير الاخير جاء تعبيرا عن خيبة الارهابيين وهزيمتهم ....وان الارهاب يلفظ انفاسه الاخيرة ...
بعد ساعات يكون المكان قد عاد الى حياته الاعتيادية وازدحم بالسابلة والسيارات مرة اخرى وبات رقما مضافا الى حصيلة ضخمة من تفجيرات مشابهة وسيطويه النسيان بعد ايام استعدادا لتفجير جديد آخر بعد ان يخلف لوعة والما وندوبا لا تندمل في نفوس عوائل الضحايا واصدقائهم ومعارفهم !
ما من تفجيرٍ ارهابي حصل في العراق طوال اربعة عشر عاما وأعقبه ما يعقب امثاله في اي بلد من بلدان الدنيا ... لا احاطة للمكان ومقترباته بشريط يغلقه امام الحركة العامة باعتباره منطقة تحقيقات جنائية .....
ولا احد رأى محققين يهتمون بجمع عينات او فحص ومقارنة شواهد ......
ولم نر في يوم كاميرات اجهزة التحقيقات الجنائية وهي تصوره من مختلف زواياه لتقارن بين ارض الواقع وافتراضاتها الاولية ....
بل ولا ادنى سرّية او تحفظ على سير التحقيقات الشكلية والعجولة والمواد القليلة التي توفرها احيانا كاميرات المراقبة اذ غالبا ما تتسرب وفي نفس اليوم او اليوم التالي محتويات حتى الكاميرات الامنية ان وجدت الى مواقع التواصل الاجتماعي تتردد في خلفيتها اصوات الفاحصين او المعاينين او المحققين ، رغم ضالة تصور وجود محققين فعليين استنادا الى الجمل والعبارات ذاتها :
" هيّانه الانتحاري شوفه ... هذا راح يعبر ... ايباه انفجر ، ايا كلب يابن .... " 
ولكن لماذا لا نلمس تحقيقات جادة ولماذا ينهي تصريح الناطق الرسمي الذي يأتي بعد دقائق او ساعة او ساعتين في الغالب كل شيء بوصوله الى الهدف والنهاية مباشرة دون ادنى جهد وكأنه يردد محفوظة ؟
هل تجاوزنا بحصيلة الخبرة والمعرفة اعظم اجهزة التحقيقات في الدنيا ولم يعد بنا حاجة الى وسائله التقليدية ؟!
ام ان المعنيين والمختصين يعرفون ان لا فائدة من التحقيقات وان كل شيء ينتهي عند ابواب مغلقة لا يمكن مناطحتها وقوى متحكمة تجبرهم على التوقف في منتصف الطريق ؟
ام ان حياة هؤلاء الضحايا رخيصة جدا وليس لها قيمة واعدادها محسوبة وتاثيراتها مطلوبة ضمن حسابات جهنمية لا علم لاحد بمحتواها وغاياتها ؟!

-------------------------
بعيدا عن مستوى جدارة وحرفية كبار المسؤولين في الاجهزة الامنية المختصة وآلية وصولهم الى مواقعهم ، وبعيدا ايضا عن اية شكوك اخرى ، هناك عشرات الحكايات والاشارات بل ووصلت احيانا الى مستوى التصريحات لرجال امن من ان جهات سياسية متنفذة تتدخل في سير ومصائر التحقيقات . فاذا اضفنا ذلك الى ما خبرناه وعايشناه جميعا من ان قضايا كبرى ووقائع فظيعة انتهت في اروقة القضاء الى لا شيء بفعل تدخل تلك الجهات نفسها انتهينا الى طبيعة مسار هذه القضايا ولماذا لا تفضي الى طريق مفتوح او نهاية للدوامة والحلقة المفرغة ذاتها ....
---------------------------------- 
اليكم هذا المثال الضروري ، رغم انني على ثقة من ان بعضكم يختزن في ذاكرته عشرات الامثلة المشابهة:
قبل سنوات دُوهم مقر وبيت زعيم سياسي ( كان طارئا على السياسة في الواقع ومكلفا بدور خاص في العملية السياسية مع كافة الضمانات المطلوبه !)، واعلن الناطق باسم خطة عمليات بغداد السيد قاسم عطا انهم عثروا في بيت المشبوه على سيارة مفخخة معدة للتفجير فيما انفجرت عند وصول قوة المداهمة سيارة اخرى ....
دُعي المتضررين وذوي الضحايا الى تسجيل شكاواهم او تحديثها ( في الواقع كانت قد سجلت ضده على مدى سنوات مئات الاخبارات والشكاوى ) والادلاء بما لديهم من معلومات ...
تم تسجيل اكثر من 200 دعوى قتل لضحايا تم قتلهم في منطقة سيطرة المتهم واتهم بذلك افراد عصابته او حمايته البالغ عددهم 48 متهما والذين القي القبض عليهم جميعا ...
كل التوقعات اشارت الى ان الرجل قد انتهى وسيواجه هو او على الاقل افراد عصابته حكم الاعدام .....
بعد ايام هُرّبَ او في الحقيقة غادر الرجل بغداد رسميا ومن المطار بحجة حضور مؤتمر في بلد مجاور ....
لكن ولديه اللذان كانا يقودان المجموعة المسلحة اوقفا مع المجموعة .....
بعد اكثر من سنة في التوقيف والتحقيقات والاعترافات ورغم القرائن والادلة والاعترافات ومئات ضحايا القتل والمصادرة والتهجير تغير الحال فجأة واعيد التحقيق لتصدر قرارات ببراءة المتهمين ال48 جميعا و في كل القضايا او الدعاوى المقامة وغادر معظمهم العراق رسميا ومن المطار .....
تضمن احد قرارات البراءة عبارة " ان المشتكية لم تقدم الادلة والقرائن الكافية ، غير الاقوال " وكانت زوجة واُم فقدت ابنها الشاب وزوجها قتلا في ذات المنطقة ....اي رتبت المحكمه عليها واجب جمع الادلة والقرائن والمبرزات الجرمية وتقديمها للمحكمة وهو امر لا يمكن ان يطلب من ذوي مجني عليهم في اي بلد في العالم !!
اذن فيمكن للتحقيقات ان تجري وتتوصل الى نهايات صحيحة ويمكن للقرائن والادلة ان تسمي المتهم بل وتدينه ، ربما بالجرم المشهود ، ولكن كيف لها ان تكون ذات نتيجة مجدية ومؤثرة ازاء التوافقات السياسية او مصلحة اطرافها اولا واوامر وتوجيهات ومصلحة الأخ الأكبر ثانيا وأساسا ؟!