كيف تنظر تركيا إلى مياه دجلة والفرات وإلى القانون الدولي حول حقوق العراق فيهما

فؤاد قاسم الأمير

قد يكون من المفضل، ولمعرفة الموقف التركي من قضية مياه دجلة والفرات وروافدهما، والذي أدى وسيستمر يؤدي إلى نزاعات بين تركيا والعراق (وكذلك تركيا وسوريا)، هو اطلاع القارئ على بعض أقوال القادة الأتراك حول الموضوع، وكذلك ما جاء في بعض الوثائق الرسمية التركية، لنصل بعدها إلى الموقف التركي الرسمي الحالي .

  1. فيما يلي أمثلة لبعض التصريحات والمواقف الرسمية، ( وهي ليست حسب التسلسل الزمني لهذه التصريحات ) .

* جرت في أنقرة في أيار 1974 مفاوضات ثلاثية حول إملاء خزاني كيبان والطبقة، أظهر خلالها الوفد التركي أن "إملاء خزان كيبان من حق تركيا، و لها ان تتصرف به كما تشاء دون ضرورة لأخذ موافقة أية جهة كانت ... إن الحكومة التركية في الوقت الذي تحترم فيه حقوق الأقطار المجاورة في المياه المشتركة بينهما، تتمسك بحقوق الشعب التركي وتضمن مصلحته بالدرجة الأولى، انطلاقاً من مبدأ سيادة تركيا على مصادرها الطبيعية".

* قال سليمان ديميريل ـ عندما كان يشغل منصب رئيس وزراء تركيا ـ في 6/5/1990: " إن لتركيا حق السيادة على مواردها المائية، ولا ينبغي أن تخلق السدود التي تبنيها على دجلة والفرات أية مشكلة دولية، ويجب أن يدرك الجميع أن لا نهر الفرات، ولا نهر دجلة من الأنهار الدولية، فهما من الأنهار التركية حتى النقطة التي يغادران فيها الإقليم التركي، فالنهر لا يمكن اعتباره نهراً دولياً إلاّ إذا كان يشكل الحدود بين دولتين أو أكثر، ولكل دولة حقها الطبيعي في استغلال مواردها المائية كما تشاء، وليس لأية دولة أخرى الحق في الاعتراض على ذلك". وقال ديميريل في مناسبة أخرى: "ليس لسوريا أو العراق أي حق في المياه التي تنبع من تركيا، وأن حكومته غير مستعدة لتقديم أية ضمانات مستقبلية فيما يتعلق بكميات المياه التي ستتركها لسوريا والعراق من نهري دجلة والفرات "!!.

* وقال ديميريل كذلك : "إذا كانت الثروة الطبيعية في بلدنا فلنا الحق في استخدامها بالطريقة التي نراها مناسبة. إن المياه تنبع من تركيا ولا يمكن لدول المجرى الأدنى أن تعلمنا كيفية استعمال ثرواتنا. هناك منابع نفط في كثير من البلدان العربية، ونحن لا نتدخل في كيفية استخدامها".

* قال سليمان ديميريل في 28/3/1996: "إن القانون الدولي لا يفرض على بلاده التوصل إلى أي نوع من الاتفاق أو الوثيقة المكتوبة مع الدول الأخرى حول موارد المياه"، وأضاف أنه: " لا يوجد قانون دولي حول المجاري العابرة للحدود، وكل ما يمكن أن تتوقعه هو الإنصاف، أي أن لا تضر بالدول التي يعبرها المجرى المائي".

عندما قال ديميريل مقولته هذه، كان "القانون الدولي"  الصادر في 1997 في مراحله الأخيرة، ولكنه لم يصادق عليه حتى الآن.

* قال سليمان ديميريل أيضا : "إن حجم المياه المتدفقة عبر الحدود إلى سوريا هو أكثر من عشر مرات قدر حاجتها. كما وستضمن السدود القائمة والتي هي قيد الإنشاء، وفي ظل تقلب التصريف المائي الفصلي والسنوي بفعل تغيير الأحوال الجوية تدفقاً مستمراً للجارين الجنوبيين، والماء الذي سيحتجز هو فقط الماء الذي يذهب هدراً في الجزء الذي لا يمكن لأي منهما أن يستفيد منه، وبما أن السدود تقوم بتنظيم التقلبات الفصلية فهي تمنع هدر المياه وتحمي بلدان أسفل النهر من الفيضان والجفاف على حد سواء".

* قال توركت أوزال رئيس الجمهورية التركية الأسبق في 6/5/1991: "إن لم يصدر العرق النفط عبر الأراضي التركية فإنه لن يكون هناك ماء للعراق".!!

* قال حكمت تشتين، وزير الخارجية التركية الأسبق، عند زيارته لإسرائيل سنة 1992: "إن تركيا تمتلك ثروة مائية على جانب كبير من الأهمية وإن من حقها بيع هذه الثروة لمن تريد وحجبها عن الدول التي تعرض مصالح تركيا للخطر، وأن من حق تركيا المتاجرة بالمياه مثلما يتاجر الآخرون بالنفط ويحتكرون عائداته... وأن تركيا على استعداد لتزويد إسرائيل بأية كمية تحتاج إليها من المياه دون أن تعبأ بمعارضة الدول المستفيدة من مصادر المياه التركية، لذلك يجوز لها التصرف بهذه المصادر على وفق مصالحها".

* قال توركت أوزال عند زيارته للعراق بين 1 ـ 3 نيسان: " إن النقص الملاحظ في المياه التي تصل العراق عبر سوريا مشكلة يجب على العراق تسويتها مع سوريا"!!.

وهو هنا يحاول أن يفرق بين سوريا والعراق، حيث لهما موقف مشترك حول هذه القضية.

* جاء في مذكرة السفارة التركية إلى وزارة الخارجية السورية عدد (95) بتاريخ 20/12/ 1995، (وذلك جواباً على مذكرة وزارة الخارجية السورية إلى الحكومة التركية في 2/12/1995)، الملاحظات التالية:

- " إن القانون المتعلق باستخدام المياه العابرة للحدود وغير المخصصة للملاحة، لا يزال قيد التطور بغية إعداد وثيقة إطارية، إلاّ أن هذا القانون لم تنته صياغته بشكل بعد. وتوجد هناك صعوبة أخرى ناشئة من حقيقة أنه لا يوجد هناك ممارسة دولية واحدة، وهذا يعود إلى سبب رئيسي وليس وحيداً، وهو التنوع الكبير في مجاري المياه العابرة للحدود ومواصفاتها والحاجات الإنسانية التي تخدمها ".

يلاحظ القارئ أن الجانب التركي يستخدم " المياه العابرة للحدود"، بدلاً من الأنهر الدولية. كما أنه يتحدث، وهو في أواخر 1995، عن القانون الذي أقر في الأمم المتحدة في سنة 1997 ولم يصادق عليه الآن، وكما سنوضح ذلك لاحقاً. ولكنه في الوقت الذي يذكر كلمة "قانون"، فإنه يقول "بغية إعداد وثيقة إطارية".

هذا وأن مذكرة وزارة الخارجية السورية في 12/12/1995، كانت قد ذكرت: " إذا كانت تركيا، كما صرحت بذلك في أكثر من مناسبة، تعتبر أن النهر الدولي الذي تنطبق عليه القواعد القانونية الدولية، هو النهر المتاخم، أي الذي يفصل بين دولتين، وليس النهر التعاقبي، أي الذي يجتاز أكثر من دولة. فإن هذا التفسير غير مقبول بنظر القانون والممارسة الدولية، لأننا إذا نفينا الصفة الدولية عن الأنهار التعاقبية، فلن يكون عند ذاك نهر النيل والسند والنيجر والسنغال والراين والدانوب والمكسيك وكولومبيا وغيرها أنهاراً دولية حسب المفهوم التركي ".

ـ تضيف المذكرة آنفة الذكر :

" إن فهم تركيا لـ (قسمة المياه) كما تم التأكيد عليه خلال التطورات الأخيرة في القانون الدولي، كان ولا يزال، لا يعني قسمة المياه بين الدول المعنية، بل يعني (قسمة استخدامات المياه) على أساس معقول ومنصف آخذين بنظر الاعتبار كافة العوامل والظروف ذات الصلة ".

ـ " إن السدود التي أثارت عليها سوريا الاعتراضات في الماضي، هي عينها التي نظمت تدفق المياه العابرة للحدود قيد النظر... وفي حقيقة الأمر فإن هذه السدود تعود على تركيا وسوريا بالفوائد عن طريق تنظيم المجرى المائي وحمايته ضد الفيضان والجفاف ".

ـ وتضيف المذكرة: " أن الخطة ذات المراحل الثلاث، والمقترح تنفيذها بشكل جماعي من قبل الأطراف التركية والسورية والعراقية، لا تزال مطروحة على الطاولة، وهي تهدف إلى إجراء جرد للموارد المائية في المنطقة، وتقييم التقنيات المستخدمة حالياً في الري، وتركيب التربة، وأصناف المحاصيل وطرق الزراعة، وأخيراً تحديد الحاجات المائية والسياسات للتعامل مع هذه الحاجات، بواسطة الاستخدام الأمثل للموارد الشحيحة في البلدان المعنية ".

إن الجانب التركي يلمح في اعلاه ، إلى عدم كفاءة استخدام المياه في سوريا والعراق ويشير بصورة غير مباشرة إلى ملوحة التربة، والتي تعني استهلاكاً أعلى للمياه، وذلك باستخدامه تعبير "تركيب التربة". أما مسألة "تقاسم المياه" حسب الفهم التركي، فإنها قد وصفت في المذكرة أدناه.

* مذكرة سفارة الجمهورية التركية إلى وزارة الخارجية العراقية مؤرخة في 25/1/1996، جواباً على مذكرة وزارة الخارجية العراقية إلى الحكومة التركية في في4/1/1996.

تعيد المذكرة التركية تقريباً نفس ما جاء في مذكرتها إلى سوريا، مع ذكر ما يلي: "خلافاً للإشارات الواردة في مذكرة الوزارة ـ أي وزارة الخارجية العراقية ـ فإن تطور قانون استخدامات المياه العابرة للحدود في الأغراض غير الملاحية، يجري باتجاه صياغة اتفاقية إطارية. ولكن هذا القانون لم يكتمل بعد، كما أنه لا يوجد عرف دولي موحد، والسبب الرئيس لذلك، وليس الوحيد، هو التنوع واختلاف خصائص المجاري المائية العابرة للحدود، والحاجات الإنسانية التي تلبيها. ومع ذلك فإن قاعدة الاستغلال المنصف والمعقول للمياه، هي المبدأ الموجه بالنسبة إلى مصالح الدول المتشاطئة لتحقيق أمثل استخدام ومنافع من تلك المياه، بما ينسجم مع توفير الحماية الكافية والمحافظة عليها. "وتستمر المذكرة لتقول: "وفي هذا الصدد فإن الفكرة القائلة بأن المجاري المائية العابرة للحدود هي مورد طبيعي يمكن (تقاسمه)، قد رفضت بشكل قاطع منذ بداية العمل الهادف إلى صياغة اتفاقية دولية إطارية بشأن الموضوع. كما أن مصطلحي (الحصص) و(التوزيع) غير مقبولين أيضاً. وإن المفهوم المركزي هو (الاستغلال والاستخدام)، وعندما نتحدث عن (تخصيص المياه)، فإن ما نفهمه هو ليس توزيع المياه بين البلدان المعنية، وإنما (تخصيص استخدامات المياه) على أسس منصفة ومعقولة، آخذين بالحسبان كل العوامل ذات الصلة، وقد تأكد هذا التعريف، في التطورات الحديثة في القانون الدولي".

يلاحظ هنا بأن رد السفارة التركية يشير كثيراً إلى "القانون" الذي كان يناقش في حينه في أروقة الأمم المتحدة، وكأنه يتفق معه، ولكن ما سنلاحظه لاحقاً أن تركيا لم تصادق عليه فقط، وإنما رفضته أصلاً وكانت إحدى الدول الثلاث التي لم توافق عليه.

2ـ موجز للموقف التركي

لقد اعتمدت في هذا الجزء من الدراسة على الكتاب القيم للدكتور سليمان عبد الله إسماعيل، الذي أشرت إليه في عدة أماكن من هذه الدراسة، كما اعتمدت على كتاب آخر قيم هو "النهر الدولي" للدكتور صبحي أحمد زهير العادلي. وفي كل الأحوال فإن الموجز أدناه نجده في أقوال المسؤولين الأتراك والمذكرات الرسمية التي ذكرناها في الفقرة السابقة.

(أ) تعد تركيا حوض دجلة والفرات حوضاً مائياً واحداً، وهما رافدان لنهر واحد هو شط العرب. ولهذا فإنها لا تعتبر تحويلها مجرى بحيرة هزار، وهي المنبع التقليدي لنهر دجلة، إلى حوض الفرات بواسطة نفق خاص لسقي السهول في الجهة الشمالية المعاكسة، بأنه تلاعب بمجرى دجلة.

يعرّف حوض النهر بأنه مجموعة المساحات التي تنساب مياهها إلى جداول أو سيول أو روافد أو أنهر أو نظام الروافد والأنهر حيث يتصل أحدها بالآخر بشكل تنساب إليه كافة المياه لتصب في النهاية في مجرى واحد.

وعلى هذا الأساس طرحت في اجتماع اللجنة الفنية المشتركة في تشرين الثاني 1984 ولأول مرة خطتها ذات المراحل الثلاث، وكررت طرحها في اجتماع وزراء الخارجية في حزيران 1990، وكذلك أشارت إليها بوضوح في مذكرة السفارة التركية إلى وزارة الخارجية في 20/12/1995، المشار إليها في (أولاً) أعلاه، وتتلخص بما يلي:

  1.  ينظر إلى الحدود السياسية لمجموع البلدان المتشاطئة في حوض (دجلة والفرات) كحدود غير قائمة.

  2.  ينظر إلى دجلة والفرات على أساس أنهما يشكلان مصدراً مائياً واحداً، عابرين للحدود، ينبعان من منطقة واحدة ويصبان في مصدر واحد ويلتقيان في شط العرب. كذلك يتصلان من خلال نظام الري الصناعي الذي يتم نصبه في العراق، وهو نهر دجلة ـ قناة دجلة/الثرثار ـ منخفض الثرثار ـ قناة الثرثار/الفرات ـ نهر الفرات.

  3. مسح موارد المياه والأراضي، وأن تعد البيانات بصورة مشتركة.

  4. ستتبنى جميع الأطراف دون استثناء مبدأ الاستخدام المشترك بدلاً من مبدأ السيادة المشتركة، وهكذا فإنه سيحق لدولة المجرى العليا ـ تركيا في هذه الحالة ـ أن تستفيد من مياه بلدان أسفل النهر، والعكس صحيح. وهذا سيؤدي إلى التطبيق الفعلي لمبدأ منع أحداث الضرر الملموس.

في الواقع إن تطبيق السياسة أعلاه، خصوصاً وأن تركيا كانت في أوج قوتها والعراق وسوريا كانا في أدنى درجات ضعفهما، حيث كان العراق يخوض معركة منهكة مع إيران، وفي صراع عنيف مع سوريا التي كانت تؤازر إيران المنهكة أيضاً، فإن النتيجة تكون استحواذ تركيا على المياه والأراضي في البلدين!!.

(ب) حتى لو اعتبرت تركيا دجلة والفرات نهرين منفصلين، فإن تركيا لا تعترف بهما كنهرين دوليين أصلاً، و انما تعتبرهما نهرين عابرين للحدود. وتعرّف تركيا النهر/أو المجرى الدولي، بأنها مجارٍ تقع إحدى ضفتيها ضمن حدود دولة، وتقع الضفة الأخرى ضمن حدود دولة ثانية، ليمر خط الحدود في منتصف المجرى المائي، أما المجرى/النهر العابر للحدود فيخضع للسيادة المطلقة للدولة التي ينبع منها.

وعليه فإن من حقها أن تتصرف في كمية المياه التي تمنحها للدولة الحوضية الأخرى، بينما تستخدم هي ما تشاء لسد حاجتها من مياه النهرين حاضراً ومستقبلاً. وكما يقول الدكتور سليمان في كتابه، أن هذا الفهم يعني "تتريك النهرين وإضفاء هذا النعت عليهما".

إن في تعريف تركيا أعلاه للأنهر الدولية ثغرة ليست في صالح تركيا، (بالإضافة إلى أن تعريفها للانهر الدولية غير صحيح أصلاً )، وذلك فيما يتعلق بنهر دجلة. حيث أن دجلة واعتباراً من مدينة جزرة التركية الحدودية، يؤلف الحدود السورية لمسافة (44)كم، منها (37)كم حدوداً بين تركيا وسوريا و(7)كم تشكل جزءاً من الحدود السورية العراقية. فهل كانت تركيا ستوقع اتفاقية شبيهة بما وقعتها مع الاتحاد السوفيتي السابق (أرمينيا وجورجيا في الوقت الحاضر)، بتقاسم المياه، وعدم التلاعب بمياه النهر دون موافقة الدولة "الحدودية" المقابلة وبغض النظر عن من هي دولة المنبع أو المسافة التي يسير بها النهر؟!!.

(ج) ترفض تركيا مبدأ تقسيم مياه نهري دجلة والفرات أو توزيعهما أو محاصصتهما، وتطرح بدلاً عن ذلك مبدأ (تخصيص استخدام المياه) وفقاً لدراسات مشتركة لمشاريع الري والزراعة في البلدان المتشاطئة، وتعتمد هذه  على دراسات جدوى فنية واقتصادية تنتهي إلى إعطاء الأولوية لاستثمار المياه في مشاريع الري وفق مبدأ الاستعمال " الأمثل والأكفأ " للمياه، وكما مبين في خطتها ذات المراحل الثلاث التي أشرنا إليها في (أ) أعلاه.

(د)   تقوم السياسة المائية التركية على حق السيادة المطلقة لتركيا على مواردها المائية في "حوض" دجلة والفرات داخل أراضيها، ولذلك تصرفت بشكل مطلق بمياه النهرين، ومن خلال تشييد السدود والمشاريع الإروائية والزراعية، ولا تزال مستمرة بنهج مقارب، من دون "مراعاة" حقوق الدول المتشاطئة معها.

علينا ملاحظة أن مناطق جنوب شرق الأناضول متأخرة اقتصادياً، وغير مستقرة، كما لا يوجد فيها موارد طبيعية أخرى، لذا فإن تركيا تؤكد دائماً على أن مشاريعها تعمل لسد الحاجات الاجتماعية والاقتصادية لسكان المنطقة وضمان استقرارهم، وأن الأولوية الأولى للمياه وبدون منازع هي للأتراك. كما وأنها ترفض المطالب السورية والعراقية بخصوص احتياجاتهما المائية واعتبار تلك المطالب مبالغا فيها، وأن كمية المياه التي "تمنحها" لكلا البلدين تعد أكثر من كافية لحاجتهما الفعلية، وأن كل ما تقوم به هو حجز الماء الذي يذهب هدراً في هاتين الدولتين. وهي في هذا الجانب تتحدث عن الواقع الحقيقي الفعلي، إذ لم ينفذ العراق خطته العَشرية المائية/الزراعية، التي أشرنا إليها في سياق هذه الدراسة، وكانت نتيجة عدم تنفيذها هو الهدر المستمر للمياه في العراق.

(هـ)  مما سبق، نعلم أن تركيا لا توافق على عقد اتفاقيات ثنائية مع العراق وسوريا تتعلق بالحصص المائية أو تقسيم  المياه، بحجة أن القانون الدولي لا يجبرها على ذلك.

كما أنها لا تعترف بمبدأ "الحقوق المكتسبة"، ولم تقبل إدراج هذا المبدأ في أي جدول لاجتماعات اللجان الثنائية أو الثلاثية حول المياه، والاستعاضة عنه بتعبير "الاستعمالات الحالية"، أو "الاستعمالات الحالية المفيدة". في نفس الوقت فإنها لا تمانع في حل المشاكل القائمة مع الجارين الجنوبيين، وبضمنها "الاستخدام العادل والمعقول والأمثل" لمياه "حوض الفرات ودجلة"، وأن تعامل مسألة "الحقوق المكتسبة" كإحدى العوامل ذات العلاقة بجانب العوامل الكثيرة الأخرى.

لقد كانت تركيا، وفي جميع مفاوضاتها السابقة، تحاول أن لا يوجد موقف موحد لسوريا والعراق ضدها، وذلك بخلق جو الريبة والشك بين العراق وسوريا حول المياه، ولقد ساعد في ذلك الجو السياسي " المشحون " جداً بين البلدين، وخصوصاً في الثمانينات والنصف الأول من التسعينيات من القرن الماضي، وما يحدث الآن أيضاً هو استمرار لما بدأ بعد الاحتلال. إضافة لذلك فإن تركيا كانت تماطل دائماً في المفاوضات، ولا تقطع الحبل نهائياً، وذلك لكسب الوقت لإكمال مشاريعها وخلق "الأمر الواقع"، منتهزة فرصة حرب العراق مع إيران، وثم دخول العراق الكويت وما تبعه من حصار قاس. وكذلك استمرار سياسة التنافر المستمر التي اتبعها العراق تجاه سوريا، مما أضعف موقف البلدين، إضافة لذلك ضعف العراق سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، نتيجة السياسات الرعناء أو الفاشلة .

في هذه الأثناء كانت الأمم المتحدة تحاول أن تطور قانوناً للمياه الدولية للأغراض الاخرى غير الملاحية. وفي نفس الوقت الذي كانت فيه تركيا تراقب هذا التطور وتحاول معارضته أو عرقلته أو تأخير صدوره، كان العراق منغمسا بحروبه وثم بحصاره وعدم تنفيذه لمشاريع الري أو الزراعة، مما أضعف موقفه وزاد من عزلته الدولية، وعطل  مصادقة مختلف الدول على مشروع القانون الذي صدر في 1997، والذي لا يزال غير فعّال.

ثالثاُ: سوريا

إن موقع سوريا الجغرافي جعلها في موقف محرج مع الجارة الشمالية تركيا، ومع الجار الشرقي العراق، فهي دولة المجرى الأدنى بالنسبة لتركيا، ودولة المجرى العليا بالنسبة للعراق، ولهذا نرى في بعض الأحيان نوعا من الازدواجية في طروحاتها تجاه تركيا والعراق بالنسبة لسياستها المائية، لاسيما أن العلاقات السياسية متوترة بين العراق وسوريا في معظم الأحيان. كما وأن الملجأ الرئيسي لحزب العمال الكردستاني التركي كان سوريا مما جعلها في وضع تستطيع الضغط فيه على تركيا، والعكس صحيح. ولكن عندما تستخدم تركيا سلاح الماء في الضغط على سوريا، فإنها في نفس الوقت تؤثر على العراق.

على العموم تتشابه السياسة المائية السورية جداً مع موقف العراق بما يتعلق بالموقف من تركيا، وفيما يلي أبرز ملامحها:

(1) ـ   تؤكد سوريا بأن دجلة والفرات مجار مائية دولية،وعليه تنطبق عليهما مبادئ القانون الدولي من حيث تقاسم المياه.

إضافة لذلك فإن نهر دجلة يشكل حدوداً مشتركة لكل من سوريا وتركيا، وكذلك سوريا والعراق. كذلك فإن بعض روافد دجلة، مثل الخابور، والزاب الكبير، فإنهما أيضاً يشكلان قسما من الحدود بين العراق وتركيا، لهذا فإن المفهوم التركي للأنهار الدولية يمكن أن يطبق أيضاً في مثل هذه الحالات، رغم رفض العراق وسوريا لهذا المفهوم.

(2) ـ   إن حوض الفرات مستقل عن حوض دجلة، وكونهما يلتقيان في شط العرب، لا يجعل منهما حوضاً واحداً.

باعتقادي أن تأكيد تركيا على أن حوضي الفرات ودجلة هما حوض واحد، مع ذكرها موضوع إيصال دجلة بالفرات من خلال الثرثار ـ وكما ذكرنا سابقاً ـ يخدم غرضين. الأول يعطيها حرية للحركة أكثر بالنسبة لتحويل مجرى مياه أحد النهرين إلى مناطق حوض النهرالآخر. والغرض الثاني  أنه  سيمكنها التحاسب من على مجمل المياه الواصلة إل سوريا والعراق سواء تم تزويد المياه من دجلة أو من الفرات. إن هذا الأمر قد يفيد العراق في حالة وجود اتصال فعلي بين دجلة والفرات، مثلاً من خلال الثرثار (بعد تحليته). ولكن هذا الأمر لا يفيد سوريا، إذ أن الاتصال سيكون داخل العراق، كما وأن لسوريا مشاريعها الخاصة بالنسبة لدجلة.

(3) ـ   تؤكد سوريا على مبدأ تقسيم مياه دجلة والفرات، وأن هذا الأمر حق من الحقوق، ويجب أن يتم ذلك من خلال اتفاقيات ثنائية أو ثلاثية، كما  وأن ما يصل حدودها أو حدود العراق من مياه دجلة و الفرات ، ليس منّة من أحد، بل حق شرعي وفق الأعراف الدولية، ووفق بروتوكول عام 1987 الموقع بين تركيا وسوريا.

هذا وأن سوريا كانت قد وقعت بروتوكولاً مع تركيا، في تموز 1987 يتعهد فيه الجانب التركي بتوفير (500)م3/الثانية من مياه الفرات على الحدود التركية/السورية لتوزيعها بين القطرين العراق وسوريا، وفي الحالات التي يكون فيها الجريان الشهري دون مستوى (500)م3/الثانية، فإن الجانب التركي يوافق على أن يعوض الفرق خلال الشهر التالي. كما وأن الجانبين سيعملان مع الجانب العراقي لتوزيع مياه نهري دجلة والفرات في أقرب وقت ممكن. وهذا البروتوكول خطوة متقدمة، إذ لأول مرة يوافق الجانب التركي على مبدأ توزيع مياه دجلة والفرات، وتحديد حصة للفرات. علماً أن البروتوكول لم يحدد الحد الأدنى للحصة في الفرات، ولكن وعد الجانب التركي بتعويضها في الأشهر القادمة، في حالة نقصانها عن 500 م3/الثانية،  يشكل مشكلة كبيرة في حالة عدم وجود سدود أو خزانات كافية في العراق أو سوريا.

هذا ولقد تم اتفاق سوري ـ عراقي في نيسان 1988، اتفق فيه الجانبان أن تكون حصة العراق 58% من مجمل مياه الفرات الممررة إلى سوريا، و42% إلى وسوريا.

لقد طالب الجانبان العراقي والسوري  من تركيا زيادة التصريف السنوي لاحقا من (500) إلى (700)م3/الثانية لعدم كفاية المياه لتلبية احنياجاتهما، وقد رفض الأتراك الطلب، ورأي سليمان ديميريل أن كمية (500)م3/الثانية هي كمية عالية بحد ذاتها، وتعتبر رقماً عشوائياً وافق عليه توركت أوزال، وهي تفيض عن حاجة سوريا والعراق، إلاّ أنه لا يمكن أن يتراجع عنها نظراً لوجود بروتوكول 1987 الذي يحكم العلاقة المائية بين البلدين.

علماً أن معظم الدلائل تشير إلى أن بروتوكول 1987، هو نتيجة جهود سياسية تركية لوضع حد لأنشطة حزب العمال الكردستاني. إذ سبق وأن أعلنت تركيا في أواخر سنة 1986، بأنها اكتشفت مخططاً لتدمير سد أتاتورك من قبل مجموعة مؤلفة من (12) عنصراً من حزب العمال الكردستاني وبدعم سوري، الأمر الذي جعل الأتراك يفكرون في طريقة لوضع حد لنشاط هذا الحزب من داخل سوريا. لهذا زار توركت أوزال، رئيس الوزراء التركي ألأسبق، سوريا في تموز 1987، وأبرم البروتوكول المذكور أعلاه، كما أبرم اتفاقية أمنية تعهدت سوريا فيها بوضع حد لأنشطة حزب العمال الكردستاني المسلحة ضد تركيا عن طريق الأراضي السورية. إضافة لذلك فإن البنك الدولي لم يكن ليوافق على منح قروض لتركيا لإكمال سدودها، إلاّ بشرط قيام تركيا بتزويد العراق وسوريا بكمية مياه من نهر الفرات لا تقل عن (500)م3/الثانية ، و هذا الامر لم تكن تعرفه سوريا عندما وقعت اتفاقيتها مع تركيا في 1987 ، او يعرفه العراق عندما وقع اتفاقيته مع سوريا في 1988 ، و المشار اليه في كل من الاتفاقيتين سابقا .

(4) على أثر تحديد حصة سوريا والعراق من الفرات، وعدم التمكن من الضغط على تركيا لزيادة الحصة، وأيضاً على أثر الطلب المتزايد على الماء في حوض الفرات في العراق، مما يزيد من الضغط على سوريا لإطلاق مياه الفرات للعراق،  بدأت سوريا بمشاريع للري على دجلة سواء باستغلال المناطق القريبة من حوض دجلة، وخصوصاً تلك المناطق الواقعة بين مجرى دجلة وروافد الخابور، أو محاولة تحويل جزء من مياه دجلة إلى المجرى الرئيسي للفرات أو إلى رافده في سوريا الخابور، كذلك نقل بعض مياه الفرات إلى حوض دمشق.

إن المشروع السوري الوحيد "المنفذ" على دجلة لحد سنة 2007، هو "مشروع ري دجلة الكبير"، حيث اقيمت محطة على نهر دجلة، بسعة (48)م3/الثانية (أي 1.5)كم3/السنة، لتضخ المياه إلى قناة عين ديوار الموجودة حالياً، ثم  شق قناة جديدة تمتد من قناة عين ديوار بطول (25)كم لإرواء حوالي (15) ألف هكتار في محطة المالكية، علماً  يوجد  سد في المالكية لاستقبال مياه دجلة بسعة (718) مليون متر مكعب، (منها فقط 7 مليون متر مكعب في مرحلته الأولى)، ولا توجد معلومات لدي عن مدى استكمال المشروع واستغلاله.

هذا و كانت سوريا  قد أجرت دراسات في منتصف الثمانينات بمساعدة شركة بلغارية لدراسة مدى إمكانية استفادة سوريا من مياه دجلة، ودراسة إمكانية وجود الأراضي الزراعية الملائمة. غطت الدراسة ما يعادل (532) ألف هكتار، وأدت إلى نتيجة مفادها أن مجمل الأراضي القابلة للزراعة تبلغ (482) ألف هكتار، منها (444) ألف هكتار ضمن تصنيف الدرجتين الأولى والثانية حسب التصنيف الأميركي. ثم أجريت دراسة نهائية تفصيلية لمساحة (150) ألف هكتار. ولكن وجود المجرى الصعب لدجلة في تلك المنطقة ، والتعقيد الكبير في محطات الضخ والأنفاق اللازمة، وصغر حجم إمكانية التخزين في المنطقة والكلف المالية الضخمة المتوقعة، كل هذه الأمور أخرت  خطط سوريا لاستكمال حتى مشروع دجلة الكبير!!.

أجزاء من الفصل السابع من كتاب" الموازنة المائية في العراق وازمة المياه في العالم.