السباق الأنتخابي في العراق من منظور علم النفس والأجتماع السياسي

د. قاسم حسين صالح

تناولت الحلقة السابقة تحليلا للعملية السياسية في عراق ما بعد (2003) ودور المحتل في تثليثها الطائفي والقومي (شيعة، سنّة، كورد)، وتشخيصا سيكولوجيا للعقل السياسي العراقي وكيف تبرمج على خلق الازمات لتأمين استفراده بالسلطة والثروة..ونكمل هنا ما يقدم لنا الاجابة على هذا التساؤل:

لماذا تشهد انتخابات 2018 في العراق تسابقا نحو الوصول الى البرلمان بارقام قياسية بلغت 27 تحالفا و143حزبا ؟

يثبت تاريخ العراق السياسي ان الحزب الذي يتولى الحكم فيه ينفرد بالسلطة ويحتكر الثروة. وما فعله حزب الدعوة وامينه السيد نوري المالكي لا يختلف عما فعله حزب البعث وامينه صدام حسين من حيث احتكار الوظائف والثروة، بل ان حزب الدعوة احتكرهما لحزبه من ابناء طائفته فيما احتكرهما حزب البعث لافراد حزبه بغض النظر عن الطائفة.

ومع ان السيد نوري المالكي حاول في ولايته الاولى ان يكون بمستوى المسؤولية بوصفه الرجل الاول في الدولة الا انه وشركاءه جعلوا من حكومته الثانية أفسد حكومة في تاريخ العراق.وليس هذا باتهام، بل اعتراف صريح منه بقوله (لديّ ملفات للفساد لو كشفتها لأنقلب عاليها سافلها). وواضح أن اعترافه هذا يعدّ خيانة أمانة وأدانة قانونية، لأن السبب في عدم كشفه لتلك الملفات كان حمايته لمتورطين من اعضاء حزبه خشية ان يعمد شركاؤه الى كشفهم ان فعل.وهناك من يعدّه شريكا في قضايا الفساد لتدخله بعمل لجنة النزاهة التابعة لمجلس النواب ومنعه احالة اي وزير سابق او حالي للتحقيق في قضايا فساد الا بعد موافقته، بحسب التقرير الأمريكي لحالات الفساد في العراق. بل انه متهم بقضايا جنائية وفقا لرئيس مفوضية النزاهة الأسبق (راضي الراضي) بأن(31) من أعضاء المفوضية قتلوا وآخرين اعتقلوا وجرى تعذيبهم، بينهم مساعده محمد عبدو سالف الذي أطلق عليه الرصاص هو وزوجته.

واستبشر كثيرون بتولي السيد حيدر العبادي سلطة الدولة لاعتبارين: نقده لما كان يبدو انه خصمه (السيد المالكي)، ووعده بأنه سيشنّ حربا على الفساد..مع ان برنامج حكومته المتضمن (17) مهمة خلا من اجراءات حاسمة فيما يخص مكافحة الفساد بالصيغة التي اكدت عليها المرجعية ومطالب المتظاهرين، ولم يكن فيه تعهد صريح بمحاسبة الفاسدين واسترداد مليارات الدولارات التي سرقها مسؤولون كبار.واثبتت احداث ما بعد تحقيق النصر على داعش أن وعود السيد حيدر العبادي بالقضاء على الفساد ومحاسبة الفاسدين لم تكن تتمتع بالمصداقية.ففي تصريح حديث لرئيس هيأة النزاهة (1شباط 2018) أكد السيد حسن الياسري بأن "المنظومة القانونية الحالية لا تقوى على محاربة الفساد لأنها متهالكة وتطبيقها ليس مجديا"، وانها انجزت في عام 2017 (8500) قضية فساد بينها(12) وزيرا ومسؤولون كبار لم تتم محاسبتهم.وعاد السيد العبادي ليؤكد في (2 شباط ) للذين يتهمون الحكومة بـ(الطمطمة) "أننا عازمون على فضح الفساد" وفق خطة كاملة لمحاربته!

وفي المحصلة السيكولوجية، فان هذا يعني ان العراقيين يعيشون حالتين متضادتين:السخط على حكومة افقرتهم وأذلتهم، والعجز عن التخلص من حكّام فاسدين، لتفرز كل حالة جمهورها الخاص بنوعية الناخبين.

سيكولوجيا الناخبين.

يمكن تقسيم الناخبين العراقيين باكثر من طريقة: منتمون، لا منتمون، مترددون،

مصلحيون، شيعة، سنة، كورد، عشائريون، مدنيون ، اسلاميون، مثقفون، اميون..

غير ان الاحداث تثبت ان لكل نوع او قطاع من الناخبين دوافعه وسيكولوجيته الخاصة..نحددها بثلاثة:

• المنتمون.وهم الاعضاء في احزاب او كتل سياسية، وهولاء ملتزمون بتعليمات قيادات احزابهم بانتخاب اشخاص من الحزب المنتمين له، ولا تتعدى نسبتهم(10%) من مجموع الناخبين.

• المصلحيون:وشريحتهم الأوسع المقاولون ورجال الاعمال الذين تربطهم مصالح اقتصادية بسياسيّن في قيادات احزاب الأسلام السياسي ومسؤولين بمؤسسات الدولة واعضاء البرلمان، وانتهازيون علمانيون توددوا وحصلوا على مناصب، وباحثون عن مصدر رزق من الشباب العاطلين، ونسبتهم بحدود(20%) من مجموع الناخبين.

• غير المنتمين:وهم القطاع الأوسع من المثقفين والعامة الذين يشكّلون ثلثي الناخبين، ويتوزعون على ثلاثة:

- المشاركون:الذين قرروا المشاركة في الانتخابات،

- المترددون:الذين لم يتخذوا بعد قرارا بالمشاركة في الانتخابات،

- المقاطعون:الذين اتخذوا قرار مقاطعة الأنتخابات.

ان لكل صنف من هؤلاء له دوافعه وسيكولوجيته الخاصة، فدافع المنتمين هو الالتزام بعقيدة حزبه والوفاء له، وضمان مصالحه واستقراره النفسي ان كان منتميا لحزب في السلطة، فيما يحقق الشعور بأخذ الحيف والانتخاء للوطن والفقراء للمنتمي لحزب وطني يشهد له تاريخه النضالي.

اما المصلحيون فيرتبط دافعهم بحقيقة سيكولوجية هي ان تاريخ اربع سلطات ظالمة (أموية، عباسية، عثمانية، وبعثية) اضطرت فريقا من الناس ان يتفادى بطشها باظهار الولاء واخفاء الكره لها.ومن هذا الفريق ظهر اشخاص طمعوا في منصب بالسلطة وامتيازات بالثروة بان اجادوا لعبة النفاق.غير ان النفاق في زمن حكم احزاب الاسلام السياسي شاع اكثر لأن معممين واصحاب لحى، سهلوا اشاعته بمغريات الثروة والسلطة، ولتحقيق غرضين خبيثين:اسنادهم حين يحتاجونهم في الانتخابات، والتضحية بهم حين يتهددهم خطر.

وفيما يخص المترددين فقد تحكمت بهم سيكولجيا(الحيرة)الناجمة عن هذا الهوس الانتخابي بهذا الكم الكبير من القوائم والأحزاب.فهم محتارون بين انتخاب وجوه " اسلامية" جديدة تمنحهم الطمأنينة الطائفية او القومية، وبين وجوه جديدة ايضا تعدهم بدولة مؤسسات مدنية تقيم العدل بين الناس.

اما المقاطعون فقد حسم اليأس امرهم من ان "تغير الحال من المحال"، بين من يرى ان قانون الانتخابات (مفصل على مقاسات الفاسدين والطائفيين)، وبين يقين آخرين بأنه لا حظوظ للوجوه الجديدة حتى لو كانت كفوءة ونزيهة، وبين من حكم على كل القوائم بان أصحابها تغريهم رواتب البرلمانيين وامتيازاتهم وليس حبا بالوطن، فيما خرجّها الأغلبية بأنهم (الحكّام الفاسدون) استهانوا بالشعب واستعانوا بالسفارة الأمريكية.

ومع ان الذي يحدد الفوز في الانتخابات هم غير المنتمين الذين سيشاركون فيها، فان تعدد واختلاف دوافعهم الوطنية والاقتصادية والأجتماعية والسيكولوجية، يجعل نسبة فوزهم لا توازي عددهم لاسيما المتعاطفين مع القوى المدنية والعلمانية، فيما اللاعب الأكبر هنا هو (العشيرة) التي تستحق التوقف عندها.

يحدثنا التاريخ أن شيوخ العشائر كانوا يقفون مع الأقوى.ففي التقرير الذي أعدته دائرة الاستخبارات البريطانية في العراق عن مشايخ ولاية بغداد (1917)، يذكر مترجمه الدكتور عبد الجليل الطاهر أن بعض شيوخ العشائر كانوا متعاونين مع الإنكليز، وأنهم كانوا يحصلون منهم على الرشوات، وأن الإنكليز استعملوا أساليب الإغراء وتلويث الضمائر واستطاعوا شراء ذمم عدد منهم.ويذكر (ولسن ) أن الإنكليز استطاعوا أن يرشوا شيوخا كبارا من آل فتلة والخزاعل ليبقوا هادئين.والمفارقة انهم (الشيوخ) ما كانوا يعدّونها رشوة بل يعزونها الى قوتهم.وهذا هو حال كل حكومات العراق..تستميل اليها شيوخ العشائر حين تشعر بخطر يتهددها وتجزل العطاء لمن يتعاون معها، وان شيوخا كبار يستجيبون حتى لو كانوا يعلمون ان الحكومة على باطل، بل ان بينهم من تعاون مع الأجنبي، اذ يذكر السيد علي علاوي بكتابه "احتلال العراق" ان بعض رؤساء العشائر اندفعوا للتعاون مع سلطة الائتلاف الموقته لاسباب مالية.

وبالصريح فان جميع شيوخ العشائر العراقية تتحكم بهم سيكولوجية التعصب بتغليبهم مصلحة العشيرة على مصلحة الوطن.وما حصل الان هو ان الطائفية اضافت تعصّبا جديدا لصالح الحاكم الطائفي حتى لو كان فاسدا.ففي لقاء مع احد شيوخ الناصرية ذكر لي انه قبيل انتخابات 2014 زاره ممثلان عن حزبين شيعين في السلطة طلبا منه ان يمنحاه اصوات افراد عشيرته، ولأنه لا يريد ان يزعّل احدهما فانه اخبرهما بانه سيجعل اصوات جماعته مناصفة بينهما!

ان التغيير سيحصل في انتخابات (2018)ليسجل نقطة شروع وليس تغيير حال، يكون مشروطا بمعالجة السبب الرئيس لهذا التسابق الانتخابي المتمثل براتب عضو البرلمان العراقي وامتيازاته التي لم يحصل عليها اي عضو في برلمانات العالم، ما يعني ان القيم والوطن ليست هي الدافع الحقيقي لهذا الكم من المرشحين باستثناء قلّة، بدليل ان بين الذين وصلوا البرلمان الحالي من تخلى عن القوى التي اوصلتهم، وأنه لو جرى خفض الراتب والغاء الأمتيازات لما كان هناك(27)تحالفا و(143)حزبا يتسابقون..الخاسر فيها سيكون الوطن والمواطن، لأن تشتت اصوات الناخبين سوف لن يأتي بحكومة متجانسة او اغلبية تعيد الحياة الكريمة لمواطن اصيب بالخيبات وابتلي بالفواجع.

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

صفحة المثقف