إنقلاب  8 شباط 63 .. رؤية ما بعد الخمسين ( 1 – 3 )

نصير المهدي *

لا شئ مثل التاريخ عندنا يثير الحساسيات وينتج الكراهيات حتى صار محرما يمتلك قدسية صنم ، وتقليب صفحة من صفحاته يجعل من يغامر بمثل هذا الفعل عرضة للإبتزاز وإثارة الإتهامات وإساءة الظن والتشكيك بالمقاصد  في الحد الادنى إن سلم مما هو أكثر من ذلك ، ولو توفرت لطرف معني بهذا الجزء أو ذاك من هذا الصنم المقدس سلطة ما لتطايرت رؤوس إن حملت رؤية مغايرة لحدث تاريخي معين ومن نافل القول إن المسلمين على سبيل المثال ما زالوا الى اليوم أسرى صراع على تاريخهم وفق رؤى مختلفة  لم تحسم الكثير من مشكلات الإختلاف رغم مرور قرون عديدة فكيف والحال عندما يتعلق الأمر بحدث مازال طريا في الأذهان وكثيرون من ضحاياه مازالوا على قيد الحياة كما أن مادته مازالت صالحة للتعبئة والتحريض ورص الصفوف وحشد الأنصار عند المناسبات السياسية الراهنة من تأكيد للحضور أو خوض للإنتخابات أو بحث عن مكان تحت شمس العمل السياسي في العراق . والتاريخ عندنا ليس وجهات نظر تتصارع وتختلف لتترك للقارئ والمتابع أن يحكم ويستنتج بل هو محفوظة واحدة يطلقها أصحاب المصلحة فيها وعلى الناس أن ترددها كما هي دون زيادة أو نقصان وإلا نالهم من غضب صاحب الرواية ما لا يحمد عقباه وتشترك السلطة ومعارضيها في كل العهود التي مر بها العراق على تقديم رواية تلقينية كل من زاويته تقطع الطريق على الرأي المستقل والتفكير الحر .

والحدث التاريخي بالنسبة لنا هو إما إحتفالات تبالغ في سطر المنجزات والمكاسب بل وحتى تخترعها إختراعا  أو هو مناحة مفتوحة تتقمص دور الضحية أمام جلاد سيلبس هو الآخر زي الشيطان وتختلط في هذا الطقس البكائي الحقائق بالأساطير فضلا عن قصص البطولات كي تضفي على الصورة ملامح التراجيديا البطولية المؤثرة التي تخاطب العواطف دون العقول  أما مراجعة التاريخ وإعادة تحليله وإستقاء الدروس المناسبة منه فهذا آخر ما يمكن أن يفرض نفسه  مع أن مقولة شهيرة لكارل ماركس بأن التاريخ هو العلم الوحيد الذي نعرفه ونعترف به تستحق أن تكون عنوانا لعمل جاد من أجل إعادة قراءة التاريخ المعاصرة قراءة موضوعية بعيدا عن الأغراض السياسية والأمل أن تتاح الفرصة لمراكز أكاديمية تنهض بهذه المهمة مستقلة عن التوظيف السياسي والحزبي وعلى أهمية الأحداث التاريخية التي مر بها العراق طيلة القرن الماضي وصولا الى الإحتلال فإنها لم تلق إهتماما يذكر من المؤسسات الجامعية لأن وظيفة الأخيرة في البحث والتنقيب قد تعطلت على إمتداد عقود ثم إنحدر مستواها بحيث لم تعد قادرة على إنجاز مثل هذه المهام ولهذا فقد كانت الدراسات الجامعية التي تناولت أحداث العراق منذ تأسيس دولته الحديثة والى يومنا هذا شحيحة ونادرة جدا وعلى أية حال فما لم يخرج التاريخ من دائرة  السجال الحزبي الى حرم البحث العلمي فسيبقى عرضة لأن يكون مجرد روايات لا تمت الى الصدق بصلة وإن كانت صحيحة في بعض تفاصيلها وتمثل وجهة نظر الطرف الذي يتبناها دون الآخرين .

ومن الاحداث الهامة التي مر بها العراق  إنقلاب الثامن من شباط عام 1963 والذي أوصل حزب البعث الى السلطة في العراق بعد صراع مرير خاصة ضد السلطة الجمهورية القائمة يومذاك وكان على رأسها الزعيم عبد الكريم قاسم يعاضده في صراعه  حليف يتمتع بنفوذ كبير في الشارع العراقي هو الحزب الشيوعي العراقي وقد كان الحزبان حتى الأمس القريب حليفين في جبهة سياسية واحدة تضمهما هي جبهة الإتحاد الوطني التي مثلت الظهير السياسي والشعبي لحركة الضباط الأحرار عند قيامها بقلب نظام الحكم الملكي وإعلان النظام الجمهوري بديلا له ولأن هذه الجبهة لم تكن تمتلك رؤية مشتركة لما يمكن أن تكون عليه توجهاتها بعد نجاح الحركة التي أبلغت أطرافها بقرب وقوعها فإن عقدها سرعان ما انفرط في أول إمتحان جدي ليتحول الحزبان الحليفان الى خصمين لدودين يخوضان صراعا دمويا مريرا دفع ثمنه الحزبان نفساهما فضلا عن العراق كله ولسنوات طويلة قادمة ومازالت آثار ذلك الصراع متوقدة الى يومنا هذا يستعرها أوارها كلما أطلت ذكراها ، وقد فاقم من هذا الصراع يومذاك أن إثنين من قادة حركة الضباط الأحرار ولحساباتهما الخاصة ولعلاقتهما الشخصية الحميمة " عبد الكريم قاسم وعبد السلام محمد عارف " إتفقا على الإستيلاء على السلطة من وراء ظهر رفاقهما في حركة الضباط الأحرار بما في ذلك أعضاء الهيئة العليا للحركة فنفذا عملية الإنقلاب بمعزل عن الآخرين ولم يطلعا أحدا مسبقا به سوى المجموعة المنفذة المرتبطة بهما أساس والتي عرفت تاريخيا بالحلقة الوسيطة وكانت تعد كقيادة بديلة لهيئة الضباط الأحرار في حال حصول أي طارئ ومن المفيد الإشارة هنا الى أن هذه المجموعة التنفيذية ستشكل لاحقا عماد سلطة أحد الشريكين حين إنقلابه على شريكه أعني عبد السلام محمد عارف ،  وقد وفر لهما إنفرادهما بالإنقلاب ميزة تقاسم السلطة وخيوطها الأساسية بينهما فتولى الأول رئاسة الوزراء والقيادة العام للقوات المسلحة ووزارة الدفاع وتولى الثاني نيابته في رئاسة الحكومة وقيادة الجيش فضلا عن وزارة الداخلية  فكان هذا الأمر الذي اثار حساسية الآخرين حجر الأساس في الصراعات التي شهدتها تلك المرحلة وما تلاها من محاولات إنقلاب  حقيقية أو مفتعلة للإيقاع بالخصوم وقد تعطل بهذا التقاسم الدور الجماعي الذي كانت تقوم به الهيئة العليا للضباط الأحرار وشعر الجميع بأنهم مهمشين يتوقف مصيرهم ودورهم في السلطة الجديدة على إرادة الشريكين   وزاد من هذه الحساسية أن الشريكين قد إلتحقا بحركة الضباط الأحرار بعد سنوات من تأسيسها فبدا الأمر كما لو أن الإثنين قد إستوليا على جهد الجميع وتضحياتهم  فضلا عن أمر بالغ الحساسية  وهو تجاوز التراتبية العسكرية في هذا الإلتفاف المشترك قد اثار حفيظة الضباط الآخرين خاصة وأن إحترام هذه التراتبية هو الذي وضع أحدهما على رأس حركة الضباط الأحرار عند إلتحاقه بها كونه الأقدم بين الجميع بحسب رتبته العسكرية فأخلى رئيس الهيئة الزعيم محيي الدين عبد الحميد مكانه  لرئيسها الجديد الأقدم في رتبته الزعيم عبد الكريم قاسم .

ولأن للسلطة إكراهاتها وتوجساتها وهواجسها وتفاعلاتها الداخلية فإن الخلاف سرعان ما دب بين الشريكين الحميمين  ليتم إقصاء أحدهما عن السلطة  وتعزيز هيمنة الشريك الثاني بعد أن صار الزعيم الأوحد  ومن المفيد هنا أن نستذكر بأن إقصاء عارف عن مراكزه وتعيينه سفيرا في بون ما كان ليتم لولا أن الشريك الحميم الذي صار خصما لدودا إستطاع أن يحوز تأييد الضباط الأحرار وهم في غالبيتهم الساحقة من الضباط القوميين الذين كانوا يتحسسون من تجاوزهم ورتبهم ومراتبهم وكانت هذه الحادثة يمكن أن تكون خطوة على طريق الإستقرار لو أن الشريك المنتصر فسح المجال لمشاركة الآخرين في السلطة وقراراتها بدلا من أن تكون خطوة أولى في مسلسل تصفيات للشركاء الآخرين وقد كان بعضها دمويا وقاسيا . ومن غير أن نقع في شرك المغالطة التاريخية فنسقط مواصفات مرحلة تاريخية معينة على الأخرى فإنه ينبغي القول بأن الديمقراطية لم تكن مطروحة على الصعيد السياسي أو في برامج الأحزاب بل وحتى في تصورات الناس وكانت في الأدبيات السياسية المتداولة يومذاك مجرد ترف بورجوازي مشبوه يحاول تقليد الغرب ويتخذ من هذا الخطاب ثغرة للتسلل لتخريب الثورة أو عرقلة مسيرتها وقد كانت الديمقراطية في الخطاب الحزبي السائد يومذاك تعني حصرا السلطة الحكومية التي تفسح مجالا لعمل اليسار ونشاطه ولم يكن لها أي معنى آخر إنما لو أحسن الزعيم الذي باتت ساحة القيادة مفتوحة أمامه بدون منازع بناء نوع من المشاركة في السلطة لرفاق الإنقلاب لوفر على نفسه وعلى العراق الكثير من المشاكل والآلام ولإحتوى الكثير من مكامن التذمر وقد كانت خطوة تشكيل مجلس قيادة الثورة المتفق عليها مسبقا مطلبا للجميع  تآمر الشريكان " قاسم وعارف " لمنعها ثم صارت واحدة من المحرمات الكبرى للزعيم الأوحد بعد إنفراده في السلطة . .
ولو أن مكر التاريخ قد فعل فعله  وسولت لعبد السلام عارف نفسه بأن يعلنها قائدا  للإنقلاب وهو الذي نفذ العملية من ألفها الى يائها وسيطر على العاصمة بمجموعته الخاصة التي ستشكل لاحقا عماد سلطته حتى وفاته ، ليسلمها على طبق من ذهب الى شريكه الذي دخل بغداد من مقره في منصورية الجبل  بعد منتصف ذلك اليوم وبعد أن تمت السيطرة على كل مرافق الدولة وصار النظام الملكي جزءا من الماضي الذي لن يعود خاصة بعد مقتل رموزه  ، ولنمض في إستحضار البدائل الممكنة يومذاك حينما إتفق قادة الضباط الأحرار على أن عملية الإطاحة بنظام الحكم الملكي ستنفذ بأي قطعات عسكرية موالية تتاح لها مثل هذه الفرصة على شرط حضور الثلاثة الكبار الملك والوصي ونوري السعيد خشية أن يفلت أحد منهم فيتكرر مصير صلاح الدين الصباغ ورفاقه في حركة مايس 1941 وكانت عملية الإطاحة هذه قاب قوسين أو أدنى وقبل ثلاثة أشهر  من إنقلاب تموز  ولكن تلك المرة على يد القطعات التي يقودها عبد الوهاب الشواف فلو تهيأت لمثل تلك الحركة فرصة النجاح لرأينا اليوم تصورا مختلفا عن الحركة وقادتها وما سيتلوها من أحداث ووقائع خاصة وأن الشواف كان يومذاك هو أقرب الضباط الأحرار الى اليسار والى تنظيم إتحاد الجنود والضباط ذي الصلة الوثيقة بالحزب الشيوعي العراقي وكنا سنراه إلى اليوم زعيما أوحدا  وفي مقابل هذين الإحتمالين لو قدر للحركة أن تفشل وتنكشف تنظيماتها ويتعرض ضباطها للإعتقال والملاحقة وحتى الموت وهو إحتمال قائم بل أكيد مع تجربة سابقة لضباط الجيش فهل كان سيسلم هؤلاء من رصاص الإعدام أو حبال المشانق دون أن تفرق بين واحد منهم وآخر .
لقد فشلت قيادة العهد الجديد بإجتراح طريق للمشاركة يجعل الجميع يتحملون المسؤولية ويشاركون في صنع قرارات المرحلة الجديدة أو يشعرون على الأقل بأن تضحياتهم التي مضت لم تذهب سدى وهدرا وقد سمعت شخصيا من اللواء عبد الوهاب الأمين عضو الهيئة العليا للضباط الأحرار ومدير الحركات العسكرية الذي وقع بيده أمر تحرك الأفواج الثلاثة من الفرقة الثالثة التي نفذت خطة الإستيلاء على بغداد بعد سيطرة عبد السلام عارف عليها والعودة بها الى بغداد للإطاحة بالنظام الملكي  بأنه عاد الى بيته عصر يوم الرابع عشر من تموز بعد الإطمئنان على نجاح الحركة وسيطرتها وقد إستقبله الجيران بالتهنئة والتهليل والتبريك فقال لهم والكلام مازال له عزوني بدلا من تهنئتي ذلك أن شعور الضباط الأحرار وخاصة هيئتهم العليا بأنه قد تم  تجاوزهم والعبور على دورهم ثم قيام من سلبهم حصتهم في سلطته باللعب على وتر الصراعات الحزبية وتحول هذه الصراع الى عنف دموي عاصف وتصاعده بحيث صار شركاء الأمس واحدا من الأهداف الأثيرة لإنفلات حزبي غير مألوف وفي مقابل هذا فقد عجزت الحركة عن تشكيل  مؤسساتها التي تحمي النظام الجديد وتضعه على طريق الإستقرار ثم تقطع الطريق بالمشاركة عن التفكير في أي بديل لإسترداد سلطة مصادرة كان الجميع يرون وهم محقون بأنهم شركاء فيها ولعله من المفيد التذكير بأن زعيم  العهد الجديد عندما وصل الى نهايته المعروفة لم يجد حوله من قادة الضباط الأحرار سوى شخص واحد هو وصفي طاهر الذي  تحول بعد نجاح الإطاحة بالنظام الملكي من قومي إستقلالي الى شيوعي منظم  .
وللأسف فإنه في كل الأدبيات التي تتناول تفاصيل هذا الحدث وتداعياته اللاحقة يتم تجاهل  ظروف موضوعية وعوامل ذاتية داخل المعسكر الواحد والمشكلة تكمن في أن تناول تلك  الأحداث يراد منه تمرير صورة معينة من زاوية حزبية ضيقة تعبر فوق الكثير من الحقائق السياسية والإجتماعية وتحاول أن تختزلها بمؤآمرات مزعومة لإحتكارات النفط وشركاته التي لم تحقق بعد كل مؤآمراتها المدعاة تلك أي إنجاز يذكر ويا لغبائها وتتناول بالشتيمة التي تنحدر الى مستوى البذاءة أشخاصا من جانب مختلف وتصمهم بأنهم أذناب الإستعمار لتقع في تناقض عميق فأذناب الإستعمار هؤلاء عملوا بجد ومثابرة على إسقاط نظام لا يختلف إثنان حول صلته العميقة والعضوية بالإستعمار وحينما نجحوا في إنجاز هذه المهمة التي أسقطت عمودا من أعمدة الإستعمار الأساسية في المنطقة ووضعت المسمار الأخير في نعش الحلف الذي اسسه الإستعمار " حلف بغداد " قدموا هذه الثمرة هدية للزعيم الأوحد الذي حارب الإستعمار فأي سذاجة وإستخفاف بالعقل ينطوي عليه مثل هذا التصوير بينما وقائع الحدث وتداعياته اللاحقة تثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن الصراع لم يكن بين برامج مختلفة ولا نهجين مختلفين بل ولا حتى بين معسكرين متقابلين وإنما هو صراع حول السلطة في المقام الأول وقد صبت في مجرى هذا الصراع الكثير من الرواقد ومن أهمها بل واكثرها تأثيرا وحضورا كان الصراع الحزبي الذي أغرق الساحة بالفوضى وبالعنف والدماء في عبث منفلت أثبتت التجربة التاريخية عقمه ودوره السلبي وكان مناسبة ثرة لتشجيع المتصارعين حول السلطة للمضي في صراعهم العنيف هو الآخر فضاعوا فيه وضيعوا العراق معهم .
* كاتب وناشط سياسي