إنقلاب  8 شباط 63 .. رؤية ما بعد الخمسين ( 3 – 3 )

نصير المهدي *

كثيرا ما تميل الشعوب والحركات التاريخية الى إختراع المثيولوجيا التي تستعين بها على تعبئة الأنصار والمريدين وفي الشرق خاصة وفي العراق في الأكثر خصوصية تمتزج المثيولوجيا بطابع تراجيدي يزود الحركة بذخيرة فاعلة من أجل كسب التعاطف الشعبي لتحقيق غايات سياسية فكيف والحال عندما يزخر الواقع بأمثلة حية وحقيقية هنا حيث ستكون المهمة أكثر يسرا وما على المعنيين سوى التوسع في إضفاء المؤثرات الخارجية على مشهد جار وقد أجادت الدعاية في تقديم أحداث الثامن من شباط في سياق هذا التقديم المؤثر للحدث التاريخي لتستبعد في الوقت نفسه إمكانات التحليل والمراجعة من زاوية سياسية تحليلية بعيدا عن الإنسياق العاطفي في إستذكار ذلك اليوم المشهود لكل الأطراف  من تاريخ العراق .
إن أكثر المعنيين بهذا اليوم بدون شك هما نظام قاسم الذي إنهار في غضون يوم وليلة والحزب الشيوعي الذي وجد نفسه في مأزق تاريخي عميق فهو لا يملك سوى الدفاع عن نظام لم يتورع عن إضطهاده وإقصائه وقد قابل حركته بالتشكيك والريبة مع أن أدوات دفاعه كانت محدودة بحيث ضاقت به السبل بعد أن كان يحرك الشارع من أقصى العراق الى أقصاه ببيان أو نداء وحزب البعث وقد وفرت له أخطاء أعدائه أن يكون ندا في مواجهة نظام بدا حتى أمسه القريب في غاية القوة والثبات فإذا به يدافع عن نفسه معزولا عن أي نجدة شعبية حقيقية وحتى الجيش الذي كان أداة النظام في تثبت أركان حكمه ظهر أن ولاءه ليس لقائده الذي لم تنجده أي وحدة عسكرية مهما كانت صغيرة فضلا عن جزء مهم كان يتربص بالنظام ويختزن دوافع للثأر والإنتقام  نتيجة الصراعات على السلطة التي سادت في السنوات الأولى للعهد الجمهوري الجديد ، ولم توفر الحياة السياسية ولا التقاليد السائدة في المجتمع ولا بنية الدولة التي تمت التضحية بها لإحلال نظام شعبوي يتجاوز المؤسسات الى علاقات مباشرة مع الجماهير أي إمكانية لحل الإشكالات بين هذه الأطراف خاصة وأن النظام القضائي في العراق كان أول ضحايا الوضع الجديد حينما حلت محله محكمة خاصة إستبدلت القواعد القانونية وأعراف العدالة بالدعاية السياسية التي كثيرا ما وصلت الى حد التهريج بل تجاوزته الى مسافة بعيدة خاصة مع وفود الزيارات الشعبية التي كانت تنظم لمحكمة المهداوي وقصائد الشعراء وهتافات الحشود المسيسة وشطحات رئيس المحكمة وممثل إدعائها العام فكانت بحق فصلا مخزيا في تاريخ القضاء ليس في العراق وحده مع أن تلك المحكمة مازالت تعتبر من مآثر تلك الفترة الصاخبة .

لقد قيل الكثير عن الإنعطافة التاريخية التي سببها إنقلاب الثامن من شباط وتم الحديث بعمومية غامضة عن تحولات وإنتقالات من وضع سياسي وإجتماعي الى آخر وجرى تناول إنجازات كبرى متخيلة ذهبت ضحية ذلك الإنقلاب ولكن القراءة الهادئة والمتمعنة لما شهدته الاحوال قبل ذلك اليوم وبعده تثبت بما لا يدع الشك بأنه لم يجر قط إجراء أي تعديل في مسار نظام الحكم وتوجهاته الإقتصادية والإجتماعية وبإستثناء قانون الأحوال الشخصية المثير للإلتباس في وضع العراق الإجتماعي المحافظ ويمكن النظر إليه على الأقل من زاوية الهروب الى الأمام بقفزات واسعة جدا حيث لم تكن الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية مهيأة لمثله ، فإنه لم يجر أي تبديل للمسار العام بل على العكس من ذلك كانت السلطة الجديدة تسعى بجد الى إثبات أنها لا تختلف في تقدميتها وإشتراكيتها وغيرها من المعايير السائدة آنذاك عن السلطة التي إنهارت وهي نفسها إتخذت لاحقا ما سمي بالقرارات الإشتراكية التي كانت موضع ترحيب جارف من قبل الحزب الشيوعي وصل الى حد التفكير بالإندماج في النظام ولم يخلو الأمر من مؤثر خارجي مع تطور علاقات نظام عبد السلام عارف مع الإتحاد السوفييتي خاصة بعد لقاء القاهرة بين عارف وخروتشوف في إحتفالات تحويل مجرى النيل نحو السد العالي بعد عام من الإنقلاب  وقد بدا اللقاء حارا حميما خلافا لما أشاعته الأساطير الدعائية بأن خروتشوف رفض مصافحة عارف بقوله لا أصافح يدا ملطخة بدماء الشيوعيين العراقيين .

ومهما قيل عن التبدلات التي جرت فالأمر لم يتعد المبالغة لأغراض الدعاية السياسية وإلا فواقع الاحوال يؤكد بأن وجود قاسم أو عارف في سدة الحكم لم يقدم أي فرصة نوعية لإحداث تطور حقيقي في أي إتجاه ولم يمنع غيابهما عن المشهد السياسي من أن تسير الأمور على الوتيرة المعتادة لبلد ريعي يعيش على واردات النفط وتثقله المشاكل السياسية والإجتماعية والإقتصادية ولكنه يحاول الخروج من هذه المشاكل في بناء تنمية إقتصادية وفق النماذج الرائجة يومذاك وتحقيق إستقرار في الوضع السياسي يعزز وجود النظام ويضمن إستمراره ،  كما أن وجود أي من الحزبين الشيوعي أو البعث في السلطة أو قريبا منها لم يوفر مناخ تقدم حقيقي أو حلا لمشاكل البلاد بينما كان غيابهما عن مسرح السلطة فرصة للشعب كي يسترد أنفاسه التي يكتمها تسلط حزب شمولي يرى أنه يمثل الحق المطلق وتخلصة من القيود التي يرسف تحتها بحكم سلطة الحزب أو نفوذه في السلطة ونزعته الى فرض إرادته وإكراهاته على المجتمع ، ويتيح له أن ينعم بهدوء سياسي نسبي بعيدا عن أجواء التوتر التي سببتها توجهات الأحزاب في فرض نفسها وبرامجها قسرا على الناس وصراعاتها فيما بينها وخاصة بين الحزبين اللذين خاضا معركة المصير يوم الثامن من شباط .

على أن ذكر إنقلاب شباط لا يمر من دون أن تقترن به  عبارة لم  يكتب في أمر من شؤون السياسية في تاريخ العراق المعاصر قدرها أعني  حكاية القطار الأمريكي التي نسبت الى القيادي في حزب البعث عند إنقلاب 8 شباط علي صالح السعدي وقد حيكت حول هذا التصريح المفترض الكثير من القصص والروايات وكثيرا ما ورد ذكرها في الكتابات التي تناولت هذا الحدث من وجهة نظر الحزب الشيوعي وأنصاره ثم صارت هذه الكتابات مصدرا لغيرها في تأكيد صحة الواقعة  وخلاصة الموضوع هي أنه قد نسب للصحفي اليساري المصري لطفي الخولي زعمه بأن السعدي أعلن أمامه ندمه على المشاركة في ذلك الإنقلاب وإعترف بين يديه  بأن البعث جاء الى السلطة بقطار أمريكي وأنه قد وثق ذلك الحديث بتسجيل صوتي إنما لا الخولي ولا الحزب الشيوعي الذي سوق هذه الحكاية بنجاح باهر إستطاعا أبدا إثبات هذه الواقعة التي سرت بين الناس على أية حال سريان النار في الهشيم ومع أن قصصا بعيدة عن هذا الموضوع قد جرى حشدها في سياق تأكيد صحتها  فإن السعدي الذي تبنى الماركسية بنسخة عربية لاحقا ويا للمفارقة وشكل مع المنظر البعثي السوري ياسين الحافظ والقيادي الشيوعي السوري ألياس مرقص حزبا باسم حزب العمال العربي الثوري وقد كان الحزب ناشطا في الساحة السياسية العراقية وله أدبياته وجريدته وكان يوجه سهام النقد لحزب البعث ويتهمه باليمينية ويحاول الإستيلاء على قاعدته التنظيمية إلا أن هذا الإتهام لم يرد في حملة الحزب الجديد ضد حزبه الأم بل وأكثر من ذلك إن هذا الحزب لم يدن إنقلاب 8 شباط أصلا ولم يتنكر له بإعتباره إنجازا في سياق نضالات الحزب الأم .

ومثل قصة القطار الأمريكي كان تردد في الأدبيات السياسية والى يومنا هذا أن الإحتكارات النفطية قد سعت إلى إسقاط نظام قاسم بعد توقيعه القانون رقم 80 المتعلق بالسيطرة على الأراضي العراقية التي تحوي مكامن نفطية غير مستثمرة وحقا لقد أسرف في تحميل هذا الأمر أكثر مما يحتمل في تفسير أي فعل سياسي مضاد بأنه من صنع شركات النفط وقد لحق مثل هذا الإتهام ضحايا حوادث كركوك والموصل والمعارضين الذين إختلفوا مع عبد الكريم قاسم أو ناصبوا الحزب الشيوعي العداء وصولا الى إنقلاب 8 شباط نفسه ولعله من باب أولى فإن مثل هذا الإتهام ينبغي أن يطلق على إندلاع الثورة الكردية المسلحة  الذي لحق تشريع القانون مباشرة  مع أن تفسير الأحداث بهذه الطريقة هو مجرد تأويل متكلف لا يستند الى سبب مقنع أو حاسم  ولا شك في أن المصالح الأجنبية كانت وراء الكثير من الإنقلابات التي شهدها العالم ومن بينها ما عاشته أمريكا اللاتينية والوسطى لعقود دفاعا عن إمتيازات الشركات الغربية وإستثماراتها ولعل الأمثل الأبرز هو ما شهدته إيران بعد ثورة محمد مصدق وتأميمه النفط الإيراني وما تلى ذلك من نشاط أمريكي محموم لإسقاط حكومته وإعادة سلطة الشاه وكانت نتيجة تلك التطورات أن تم إلغاء التأميم والخطوات والقوانين التي وضعتها الثورة لإعادة حقوق الشعب الإيراني المنهوبة من لدن الإحتكارات الغربية وجرى ربط إيران بعدد من الإتفاقات والمعاهدات وهذا ما لم يحصل شئ منه مهما كان بسيطا بعد إنقلاب الثامن من شباط والقانون الذي قيل أنه كان سببا في الإطاحة بسلطة قاسم جرى وضعه موضع التنفيذ في ظل سلطة من أطاح به فقد تم تأسيس شركة النفط الوطنية العراقية عام 1964 لإستثمار الأراضي التي حددها القانون رقم 80 ولم تكن الظروف مؤآتية على الصعيد الدولي لبدء عمليات الإستثمار رغم وجود الإتحاد السوفييتي وعلاقته الوثيقة بالعراق في كل تلك العهود حتى تهيأت فرصة السياسة الإستقلالية للرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول فوقعت معه الحكومة العراقية إتفاقا للإستثمار إشتهر باسم الشركة الفرنسية المستثمرة إيراب لإستثمار المكامن النفطية البكر كما أن واحدة من أهم الخطوات على صعيد الدفاع عن حقوق الدول المنتجة للنفط كانت إحتضان العراق للمؤتمر التأسيسي للدول المصدرة للنفط الأوبك عام 65 وقد لعب العراق الدور الأساس في تأسيس تلك المنظمة التي ستلعب لاحقا دورا مهما في مواجهة الكارتلات النفطية والدول المستهلكة للنفط على الصعيد الدولي  .

وعلى الصعيد السياسي لم ينتقل العراق بسقوط حكم قاسم الى المعسكر العربي المتحالف مع الغرب أو حتى ليقف على الحياد في الصراع الدائر إبان تلك الحقبة في المنطقة العربية بين ما يسمى بمعسكر التحرر العربي وفي مقدمه  مصر بقيادة الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر وبين الغرب والحكومات العربية المتحالفة معه في المنطقة وهنا لابد من الإشارة الى مفارقة مهمة وهي أن القطار الأمريكي لو مر بالعراق يومذاك لكان هدفه إخراج العراق من هذا المعسكر لا زجه فيه وهو ما حصل بعد إنتهاء الأزمة الطويلة بين حكومتي قاسم وعبد الناصر وكان سيتحول في العلاقات الإقتصادية والعسكرية نحو المعسكر الغربي بدلا من تعزيز علاقته بالسوفييت وحلفائهم فلم يتغير طابع تسليح الجيش العراقي ولم تشهد تلك الفترة أزمة بين العراق والكتلة الشرقية سوى ذلك الغضب الدعائي العابر نتيجة التنكيل بالشيوعيين العراقيين  والذي إنتهى بتصنيف النظام الحاكم في العراق ضمن صف قوى التحرر العربية المتحالفة مع الإتحاد السوفييتي ومنظومته الإشتراكية ، وهذا بدوره لا يمنع أن يكون الغرب قد إستفاد من حالة الإحتراب بين القوى السياسية العراقية والوضع السياسي المتوتر والخلافات العميقة والعدائية بين العراق ومصر كما لا يحول بين مندسين في هذا الطرف أو ذاك يسوقون الأمور بإتجاه ما يخدم المصالح الغربية ويمكن الوصول الى كل هذه النتائج بتخمينات سياسية دون الحقائق الثابتة وفي مقدمها أن الغرب لم يخف إرتياحه لحالة القطيعة بين القيادتين العراقية والمصرية في وقت لم تشهد فيه فترة حكم قاسم أي أزمة سياسية بين نظامه والغرب رغم أن شعارات كمؤآمرات الإستعمار وتحركات أذناب الإستعمار وغيرها من الشعارات التعبوية لم تتوقف يوما في أدبيات الحكومة القاسمية أو مناصريها والحقيقة إن التمسك بالحديث عن دور أجنبي في الإطاحة بحكومة قاسم فضلا عن جانبه التعبوي محاولة للهروب من وقفة جدية لبحث الأسباب الموضوعية والذاتية التي مكنت من الإطاحة بنظام قاسم وتوجيه ضربة قاسية للحزب الشيوعي العراقي رغم  حالة الخصام السائدة يومذاك ما بين الطرفين .

ولم يكن إنقلاب الثامن من شباط مجرد مؤآمرة أو دسيسة دبرتها حفنة من ضباط الجيش لتفاجئ به نظاما قائما كانت له شعبيته وإنما تحرك لحزب كان له جمهوره هو الآخر وقد بدأ حركته بهذا الجمهور قبل أن يستطيع جناحه من الضباط والعسكريين السيطرة على وحدات الجيش وتحريكها لحسم الموقف وقد سبقت ذلك تحركات ذات ثقل في التمهيد للإنقلاب كإضراب الطلبة وعمال البانزين وغيرها من النشاطات التمهيدية التي بات أمامها نظام عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي الذي يسانده عاجزين يستسلمان الى قدر لا فكاك منه رغم المقاومة القصيرة للإنقلاب وما يغيب عن المشهد عند تناول إنقلاب الثامن من شباط هو أن دائرة الإجماع حول قيادة قاسم قد ضاقت بحيث لم يبق معه وفي وقت مبكر سوى واحد من الهيئة العليا للضباط الأحرار التي ضمت خمسة عشر ضابطا  هو مرافقه وصفي طاهر  ومن الضباط الأحرار الذين وصل عددهم قبل وصوله الى السلطة الى المائة والثلاثين سوى إثنين أحدهما ابن خالته وهما فاضل عباس المهداوي وماجد محمد أمين   ورغم إنحداره من المؤسسة العسكرية فإنه لم يستطع أن يخلق قاعدة صلدة في تلك المؤسسة يستند عليها عند مواجهة المخاطر كتلك التي شكلها الإنقلاب عليه ولعله من المفيد التذكير بأنه والحزب الشيوعي معا كانا يعلمان بأن الإنقلاب قادم لا محالة ومع ذلك لم يستطيعا القيام بعمل حاسم لإحباطه .

وعلى أية حال فرغم أن التاريخ السياسي العراقي مليئ بالأساطير والروايات التي لا تصمد أمام التحقيق الدقيق فإن إنقلاب 8 شباط كان فصلا قاسيا في العنف الدموي الذي عرفه الصراع الحزبي في العراق حيث كثيرا ما يسقط ضحايا في عمليات قتل لا تجد ما يبررها ومن باب أولى يمكن تجنبها لأنها ليست ضرورية لولا أن العصبيات القبلية ما انفكت تلعب دورها في المجتمع وتتوغل الى الأفكار والقوى السياسية ومسلكها العام ووفق هذه العصبيات القبلية شاعت ومازالت نظرة إنتقائية غير عادلة الى مسألة العنف السياسي تقوم على الحط من شأن هذا العنف عندما يكون ضد الخصم وتبريره أو إنكاره والنفخ في صورة العنف الآخر الموجه من الخصم ولم تخلو حركة سياسية واحدة من هذا العيب والى يومنا هذا بل لم تتأسس ثقافة شعبية ترفض العنف وتدينه إلا بمقدار ما يكون عنف الجهة المعادية ونظرة الحركات السياسية وتقييمها للعنف كثيرا ما تسربا الى الأوساط الشعبية المؤيدة لهذا الحزب أو ذاك وجرى تعميمه كإنجاز يستحق الإحتفال ولم يعدم التاريخ السياسي العراقي مواقف تباه وتفاخر بإنزال ضربات ساحقة بالعدو بما في ذلك تصفيته مع أن القوى السياسية العراقية تنكر ذلك لاحقا وتتنصل منه وهذا ما نتركة لباحثي التاريخ وعلم الإجتماع السياسي .

وعود على بدء فإن الغاية من هذه المقالة ليست تبرير هذا الإنقلاب ولا حتى تفسير أسبابه ولا البحث عن المبررات لقيامه وإنما محاولة لوضعه في سياقه الطبيعي ولو أن العراق إستطاع تجنب سلسلة الإنقلابات لوفر على أبنائه على الأقل أن يذهبوا ضحايا الإنتقام المنفلت بين القوى السياسية والتي لم تنجو منها سوى تلك القوى التي إستطاعت أن تعي ببصيرة ثاقبة بأن الوضع الجديد لم يعد يسمح بحياة حزبية مدنية سليمة بعيدة عن أجواء العنف والإحتراب فإنسحبت وقياداتها من ساحة العمل الى المراتب المضيئة والمشرفة في التاريخ كونها لم تلطخ يديها ولو بالنزر اليسير من الدماء رغم إسهامات قادتها ومناضليها الكبيرة في التاريخ العراقي وسعيها لما يخدم المجتمع والدولة العراقية ذلك الرعيل من السياسيين الذي لم يشأ أن يهبط الى مستوى تهييج الشارع وزجه في صراعات مريرة لم تخدم مثيريها فضلا عن العراق شعبا ووطنا ورسمت تاريخا دمويا مازال يقطر الى يومنا هذا وحتى تتهيأ للعراق فرصة بناء تجربة مدنية ديمقراطية تعيد الأمور الى نصابها الصحيح ومن يدري فقد تتكفل بإصدار حكمها العادل في أحداث التاريخ المؤسفة حقا .


* كاتب وناشط سياسي