البدايات وجرس الإنذار الأخطر : اليونسيف تحذر من زوال نهري دجلة والفرات سنة 2040

علاء اللامي

الفصل الأول من كتاب " القيامة العراقية الآن .. كي لا تكون بلاد الرافدين بلارافدين !

جرس إنذار خطير:بعد يوم واحد على بدء احتفالات المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة وأخرى غير تابعة لها بمناسبة اليوم العالمي للمياه، والذي صادف 22 آذار - مارس2011 ، نشرت عدة وسائل إعلامية عراقية وعالمية من إذاعات وصحف ومواقع تواصل اجتماعي الخبر الآتي، وسنورده بصيغته الأكثر انتشارًا مع أنه ورد بصيغ أخرى لا تختلف كثيرًا من حيث الجوهر عن هذه (كشف تقرير لإحدى وكالات الأمم المتحدة عشية اليوم العالي للمياه أنّ نصف كميات الماء في العراق تضيع هدراً، في حين لا يتمكن 6 ملايين نسمة من الحصول على مياه الشفة "الشُرْب". وأشار صندوق الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف" إلى تقرير دولي يثير احتمال جفاف نهري دجلة والفرات العام 2040 نظراً للتغييرات المناخية وانخفاض كميات المياه والاستخدام المكثف لأغراض الصناعة والاستهلاك المنزلي. وأضاف أنَّ العراق يواجه صعوبات في تحقيق هدفه للتوصل إلى تزويد 91% من المنازل بمياه الشرب بحلول العام 2015). نلاحظ هنا، أنّ تقرير اليونيسيف لا يخلو من الغمز الذي يمكن اعتباره محاولة مغرضة وتضليلية لتحميل المسؤولية الكاملة، وإنْ بشكل غير مباشر، للعراق حين يقول بأنَّ ( نصف كميات المياه في العراق تضيع هدرا). إنَّ هذا الزعم، ربما كان يصح حين كانت المياه تصل إلى العراق بكميات طبيعية وفيرة قبل أن تبني تركيا سدودها، فتتجه كميات كبيرة منها نحو الخليج، ولكنَّ مياه النهرين الآن لا يكاد يصل منها إلى ملتقاهما في "القرنة" إلا النزر اليسير بدليل أنّ مياه الخليج المالحة التي بات يطلق عليها المتخصصون "اللسان الملحي" هي التي أخذت بالصعود نحو الشمال  في شط العرب فأهلكت المزارع وغابات النخيل على شبكة القنوات المتفرعة منه. أما مياه الشرب في البصرة فأصبح تأمينها صعبا ولجأت السلطات إلى مدِّ أنبوب مياه لها من قرية البدعة على نهر الغراف في محافظة ذي قار شمالا.  ثانياً، إنّ أنهار العراق ليست استثناء عن سائر أنهار الكرة الأرضية، لأنها نادرة أو معدومة تلك الأنهار التي لا تصب في بحار أو محيطات، ولنا في النيل الذي يصب فرعاه، دمياط والرشيد، في البحر الأبيض المتوسط على مدار السنة مثال قريب، فلماذا يعتبر وصول مياه دجلة والفرات بعد تكوينهما لشط العرب في الخليج استثناء وجريمة، ويتم السكوت على الحالات الأخرى التي تشكل القاعدة لا الاستثناء؟

ثم أنَّ تخلف البنية التحتية الخاصة بموضوع المياه في العراق حقيقةٌ لا يمكن إنكارها، كما أنَّ  إهمال الحكومات العراقية المتعاقبة لهذا الشأن، وعدم قيامها ببناء سدود ومشاريع مائية تناسب وضع العراق حقيقةٌ أخرى مؤكدة، ولكنَّ هذا الأمر يتعلق بالسيادة الوطنية، ويمكن، بل ينبغي للشعب العراقي وحده محاسبة حكوماته على هذا الإهمال والتخلف وحثها على الوصول إلى حلول جذرية لهذا الوضع السيئ دون أنْ يعني ذلك منح أي مسوغ قانوني لأية دولة للقيام بقطع النهرين بالسدود والبحيرات الاصطناعية عن البلد المصب أي العراق. 

اليونسيف تغيب السبب التركي :

حين يعدد تقرير اليونسيف أسباب احتمال جفاف النهرين سنة 2040، فهو يذكر التغييرات المناخية، والاستخدام المكثف لأغراض الصناعة والاستهلاك المنزلي، ولكنه لا يذكر العامل الأخطر والأكثر فعالية في ذلك ألا وهو بناء تركيا لشبكة ضخمة من عشرات السدود والبحيرات الاصطناعية، وقطع إيران لعدد كبير من روافد دجلة وشط العربإلا تلميحا. فقد لمَّح التقرير إلى ذلك السبب تلميحا غير مباشر بعبارة "انخفاض كميات المياه" دون أنْ يجرؤ حتى على إضافة عبارة من قبيل "القادمة من دولتي المنابع تركيا وإيران "!

ورغم هذه الهنات والمساوئ، التي يمكن توقعها في تقارير المنظمات الدولية الغربية، الوالغة في عدم الانصاف والكيل بمكيالين والتحيز لطرف ضد آخر، يبقى هذا التقرير وثيقة مهمة وخطيرة وصادمة تعلن رسميا عن بدء حلول الكارثة المحيقة بالكيان العراقي والشعب الذي يحيا فيه.

لقد جرى الخلط مرة، و الفصل في أخرى، بين هذه الوثيقة وبين وثيقة أخرى انتهت إلى احتمال زوال النهرين إذْ يوجد تقرير آخر تحدثت عنه وزارة الموارد المائية العراقية ونسبته إلى "المنظمة الدولية للبحوث" فيما نسبته مصادر إعلامية إلى "المنظمة الأوروبية للمياه". وفي التفاصيل نعلم، أنّ مصدراً مسؤولاً في وزارة الموارد المائية أدلى بتصريح صحفي جاء فيه ( أنَّ التقرير المعد من قبل "المنظمة الدولية للبحوث" تحدث عن "تناقص حاد" بالحصص المائية الواصلة ضمن حوض نهر الفرات التي ستصل إلى 32 ملياراً و 140 مليون متر مكعب في الثانية بحلول عام 2040 مقابل احتياجات العراق التي ستبلغ حينها 23 مليار متر مكعب، أما حاجة كل من سوريا وتركيا فستصل إلى 30 مليار متر مكعب،  منوهاً بأنَّ الواردات النهائية للنهر لن تكفي لتغطية الاحتياجات الكلية لها، الامر الذي يؤدي إلى خسارة العراق موارد النهر بالكامل)[1]. وليس لعبارة " خسارة العراق لموارد النهر بالكامل معنى آخر غير "زوال النهر بالكامل"!

في موضع آخر، ينوه المصدر بأنَّ منظمة أخرى تدعى  "منظمة المياه الاوروبية" توقعت جفاف نهر دجلة بالكامل في ذات التاريخ، حيث يفقد النهر سنوياً ما يعادل 33 مليار متر مكعب من مياهه، بسبب "السياسة المائية الحالية التي تتبعها تركيا"، بالتالي فأنَّ العراق، وفي حال عدم تمكنه من إتمام اتفاقات دولية تضمن حصصه المائية بشكل كامل، مقبل على ما أسماه بـ "كارثة حقيقية" ستلحق بملايين الدونمات الزراعية في البلاد، وهو ما يعني تحول العراق لجزء من صحراء البادية الغربية خلال مدة لن تتجاوز الخمسة وثلاثين عاما المقبلة.

العراق سيخسر ثلث زراعته:

ومن الجدير بالذكر أنَّ وزارة الموارد المائية العراقية كانت قد حذرت في نهاية سنة 2010 ، وعلى لسان أحد خبرائها في تصريح صحفي، من أنَّ سد "اليسو" التركي ضمن مشروع "الغاب" الهادف لتشييد 22 سداً بسعة خزن إجمالية تتجاوز 100 مليار متر مكعب، سيحرم العراق من ثلث مساحة أراضيه الصالحة للزراعة و بالنالي سيدفع بمئات الآلاف من الفلاحين إلى ترك مهنهم الزراعية والاتجاه إلى المدن في هجرة معاكسة، فضلاً عن تسببه بنقص الحصص المائية التي تؤثر سلباً في مجالات مياه الشرب وتوليد الطاقة والصناعة وبدرجة كبيرة في إنعاش الأهوار والبيئة، إذْ أنه بعد إكمال سد "أليسو" ستتم المباشرة بسد "جزرة" ما سيؤدي إلى تحويل جميع كميات المياه إلى الأراضي الزراعية التركية قبل عبورها الحدود التركية العراقية باستثناء كمية قد لا تتجاوز 211 متراً مكعباً من المياه التي وصفت بأنها ستكون بدرجة ملوحة عالية التركيز، ستتضاعف خلال مرور المياه بحوضه في المناطق الجنوبية التي تعاني أصلاً من ارتفاعها خلال السنوات الماضية. ولكن يبدو أنَّ الوزارة العراقية وحكومتها كلها تنسى أو تتناسى تحذيراتها بمجرد انتهاء الدوام الرسمي فلا نعلم شيئاً عن أي إجراءات ترتبت على إطلاق تلك التحذيرات سوى أنَّ الحكومة قالت في بيان من سطرين إنها ستشكل مجلساً أعلى للمياه لحل هذه المشكلة! فماذا بخصوص هذا المجلس، وهل سيكون  حلاً سحرياً يجنب العراق وشعبه القيامة الوشيكة؟

أعلن عن تشكيل هذا المجلس بعد ذيوع وانتشار خبر ومحتوى تقرير اليونيسيف وغيره من تقارير محذِّرة من زوال الرافدين من بلاد الرافدين. وقد أنيطت رئاسته برئيس الوزراء نوري المالكي، وعضوية عدد من الوزراء ورؤساء الهيئات الحكومية الأخرى وممثل عن إقليم كردستان. يأتي تأسيس هذا المجلس في وقت تفاقمت فيه مشكلة مياه نهري دجلة والفرات وأصبحت تهدد بالتحول إلى كارثة وطنية وبيئية بدأت تجلياتها بالظهور. منظمات دولية عدة حذرت من أنَّ العراق سيفقد نصف مياه أنهاره خلال السنوات الثلاث القادمة بسبب شبكة السدود التركية العملاقة على النهرين، وأيضاً، بسبب المشاريع الإيرانية لتحويل مياه عدد كبير من روافد نهري دجلة وشط العرب إلى الداخل الإيراني وقطعها عن العراق. سوريا من جهتها تنوي البدء بتنفيذ مشروع كبير، بتمويل كويتي، لسحب كميات كبيرة من مياه دجلة وتوجيهها إلى العمق السوري.

علاوي وبابان ورثاء الرافدين:

إن إلقاء نظرة على الفقرة الآتية من تقرير رسمي آخر، منشور على موقع زعيم قائمة "العراقية"، إياد علاوي، على الانترنيت، يعطينا فكرة عن حجم التجاوز العدواني التركي ودوسه على حقوق العراق المائية وعلى تقاليد حسن الجوار بين البلدان الإسلامية ( إنّ إيراد العراق من المياه لغاية العام 1990 وصل إلى قرابة 45 مليار متر مكعب لكلا النهرين، دجلة والفرات، وما أنْ استكملت تركيا بناء 6 سدود أكبرها سد أتاتورك وهي جزء من مشروع إحياء شرق الأناضول "الكاب" المؤلف من 21 سدّاً منها 17 سدّاً يقام على نهر الفرات و 4 سدود على نهر دجلة، حتى انخفضت إيرادات النهرين إلى 28 مليار مكعب سنوياً. وفي عام 1998 كانت مساحة الأراضي الزراعية في العراق التي تصلها مياه السقي تبلغ 5,9 مليون دونم ولكنها انخفضت إلى 400 ألف دونم فقط في عام 2009)[2].

وقد تساءل مراقبون وصحافيون عن السبب الذي جعل علاوي يحجم عن التطرق علناً وبشكل رسمي لهذه الكارثة الموثقة بالأرقام وعن جعلها أحد القضايا المهمة في برنامج حركته السياسية أو كتلته النيابية ويكتفي بنشرها على موقعه الرسمي فيما لا يكاد يمر يوم دون أن يدلي بتصريح يتعلق بأبسط الأمور كمنصب رئيس مجلس السياسات العليا وامتيازاته التي وعِدَ بها ذات يوم!

أما وزير التخطيط السابق، علي بابان، فقد نشر قبل مدة مقالاً متشائماً حول الموضوع قال فيه (عندما جئت أكتب مقالي هذا عن انحسار دجلة والفرات والنتائج الكارثية التي ستترتب على ذلك فكرت بعنوان: سيناريو يوم القيامة في العراق! ثم استبدلت العنوان بـ"العراق... الزلزال القادم" ولكني وجدته لا يقل تشاؤما عن سابقه، ثم وقع اختياري على "البكاء عند أنهار تحتضر). هذه السطور ليست مرثية لدجلة والفرات ولكنها جرس إنذار للعراقيين جميعاً ليدركوا بشاعة السيناريو الذي نسير باتجاهه ونتائجه الخطيرة على جميع نواحي حياتنا. هذا السيناريو لم يعد بعيداً عنا بل بات قريبا، فما يفصلنا عن عام 2040 أو 2035 ليس سوى سنوات قصيرة، لا تعد شيئاً في عمر الأمم والشعوب".

من المعلومات المهمة التي يكررها الوزير السابق بابان واحدة تقول إنَّ سد "أليسو" التركي المقام على نهر دجلة سيحرم لوحده العراق من ثلث أراضيه الزراعية ولكنه يضيف لها قوله ( و سيعجز الاقتصاد  العراقي عن توفير لقمة الغذاء للـ 35 مليون عراقي حتى لو وجَّه عائدات النفط كلها لإطعام مواطنيه).

ولكن كيف وصلنا إلى هذا الحد المأساوي، ومتى بالتحديد بدأت قصة الكارثة؟

 معلوم، أنَّ هوية النهرين دجلة والفرات، شأنها شأن هوية إقليم العراق، كانت عثمانية من الناحية الرسمية، خلال فترة الاحتلال التركي العثماني للعراق. صحيح أنَّ النهرين كانا لصيقين بالكيانية الرافدينية العراقية القديمة، وإنهما من ناحية الهوية الحضارية نهران عراقيان رافدانيان، ولكننا حين نتحدث عن الجانب الحقيقي والقانوني لهويتهما خلال فترة الاحتلال العثماني، لا بد أنْ نسجل هذا الواقع. وبعد انهيار السلطنة العثمانية عقب هزيمتها في الحرب العالمية "الأوروبية" الأولى، وقيام مجموعة من الدول من أنقاضها، من بينها تركيا الأتاتوركية والعراق وسوريا، فقد أصبح النهران - وفق اعتقاد البعض- نهرين دوليين لأنهما يمران في عدة دول. هذا الكلام يصح إلى درجة معينة على الفرات، الذي يمر في ثلاث دول هي تركيا وسوريا ثم العراق الذي هو دولة المصب، أما دجلة فهو لا يتشكل كنهر مكتمل السمات هايدروليكيا، ومستقل بحوضه الخاص إلا على أرض العراق. و الرافد الذي يحمل الاسم نفسه تقريبا "دجلة سو"، ويجري في الأراضي التركية، فلا يجعل من النهر تركيا ولا دوليا بالمعنى التام للكلمة. إنَّ تركيا ترفض الاعتراف بأنَّ الفرات وكذلك دجلة نهران عراقيان أو حتى دوليين بل تعتبرهما رسميا نهرين تركيين عابرين للحدود، وأنّ المياه التي تتركها تنساب فيهما إلى العراق وسوريا ما هي إلا إحسان وشفقة وتضحية عظمى ليس إلا، على حد تعبير وزير تركي سابق هو محمد جولهان!

جذور الصراع وخطة كيرزن:

إن الصراع على مياه الرافدين لم يبدأ بعد قيام الدول المستقلة الجديدة الثلاث على أنقاض السلطنة العثمانية التركية بل يمتد إلى ما قبل ذلك. أحد كتاب انترنيت المهتمين بهذا الشأن يعود به إلى فترة الصراع العثماني الفرنسي البريطاني ( حول ولاية الموصل منذ عام 1899 ولغاية توقيع معاهدة لوزان في 28 تشرين الأوّل عام 1927م، والتي تمّ بموجبها إثبات تبعية ولاية الموصل للعراق التي تشمل آنذاك محافظة كركوك وأربيل والسليمانية. ويمضي الكاتب قائلاً ( لو عدنا إلى هذه الحقبة التاريخية لوجدنا أنّ أزمة المياه ومحاصرة العراق مائياً قد بدأت منذ ذلك الحين ضمن مخطط دولي تزامن مع إسقاط الدولة العثمانية وإعادة ترتيب المنطقة بصورة مدروسة لا يكون فيها للدول العربية مجالا لتكن قوة خلافة أو قوة دولة معروفة مستقبلا مهما كلَّف الغرب من التحالفات الجديدة. وإذْ نحن بصدد معرفة العوامل السلبية لما يعانيه العراق اليوم من شحٍ في المياه ووفرة البترول وعدم حيازته على ممر بحري يمكن أنْ نرى سبب ذلك إنْ لم تكن أسباب مما سوف نتطرق إليه ولو باختصارٍ شديد)[3] .

ورغم التباس هذا النص، وارتباكه، إلا أنه يحتوي على بعض المعلومات التي لا يقلل من أهميتها شيء سوى عدم توثيقها بشكل دقيق وصياغتها بلغة سليمة، ومن ذلك مثلاً التصريح الذي ينسبه النص إلى "كيرزن" وزير خارجية بريطانيا سنة 1918، والذي قال فيه بحسب هذا النص، ونشير إلى إننا سنصحح بعض الأخطاء اللغوية الواردة فيه  ( نحن نريد عراقا دون منابع مياه). ويستنتج الكاتب وهو على صواب  ( وإما إذا عرفنا أنَّ العراق وبالتحديد قبل سقوط الدولة العثمانية، كان يضم العراق الحالي، وبضمنه منطقة ديار بكر وصولا إلى بحيرة "فان كلو"، ونزولا شرقا وبعمق 88 ميلا من الشريط الحدودي الذي يضم السليمانية مع إيران، متجهين غرباً لضم الشريط الحدودي المائي الفراتي و بضمنه مدينة حلب نكون قد وضعنا أصبعنا على الخلل حين نقارن ما عليه العراق اليوم من خلفية جغرافية بشرية وتضاريسية مقارنة مع ما كان عليه مسبقا).

ويمضي هذا النص، دون  توثيق كالمعتاد، في متابعة ما قام به كيرزن فيقول إنه عمل ( من خلال شعاره هذا على مسألتين مهمتين. الأولى، حصر حدود العراق خارج منابع المياه و لذا لم يساوم تركيا على ديار بكر و فان كلو وركز على المناطق البترولية في العراق فقط. أما الأمر الثاني، فهو جعل العراق موطناً لأقلية كبيرة في شماله وغربه يمكن من خلالها جعل المنطقة دائماً في حالة عراك وتخاصم لكي لا يمكن استغلال ثراوتها من قِبل أبنائها).

ولتحقيق هذه الأهداف، يؤكد صاحب النص موضوع الحديث، (أنَّ كيرزن وبهدف تفعيل الفقرة "ب" عمل ما بين عام 1919 وحتّى عام 1924 على منع "حرمان؟"  العراق من منابع المياه بإعطاء فرنسا كلّ حلب وقصباتها واقضيتها العراقية، وسلخ ديار بكر من العراق وأعطاها إلى تركيا وأعطى إيران ما يقارب 88 ميلا عمقا مع الحدود في السليمانية، و أوطن  الآثوريون والأرمن في الشمال العراقي، نقل بعض الأقليات من الحدود التركية العراقية إلى داخل الشمال العراقي تحت حجة أنْ تركيا طردتهم لكونهم غير مسلمين. وبهذا ضمن عدم وجود أي منبع للفرات في الأراضي العراقية وركَّز على قلة العرب وكثرة الأقليات فيها).

أما جنوباً فيذكر الكاتب أنَّ كيرزن بعد أنْ انتهى من تنفيذ مخططه شمالاً سنة 1923 ( حتّى عاد لينهي إمارة عربستان العربية سنة 1924 ويسلمها إلى إيران لتحقيق هدفين لا يختلفان عما ذكرناه آنفا وهما منع المياه القادمة من نهري الكارون والكرخة الإيرانيين من أن تصب في الأنهار العراقية، وتقليل نسبة العرب في العراق بسبب تداخل القبائل العربية بين الجانبين. وبالتالي، يكون قد استبعد من عرب العراق ما يقارب 12% من إجمالي النفوس في حينه)[4].

هذه المعلومات المهمة والأكثر خطورة مما يعتقد البعض، وعلى الرغم من أننا  لم نستطع توثيقها للأسف، ولم يتجشم مَن اقتبسها عناء توثيقها وذكر مصادرها، في حال تأكدت، وليس لدينا في الواقع سبب يجعلنا نشك في خبث ودهاء مخططات المستعمرين الغربيين وممثلهم كيرزن، فإنها  يمكن أنْ تكون الجذر الأولي للكارثة التي يتعرض لها العراق وأنهاره ويمكن اعتبارها البداية الفعلية لسيرورتها الجامحة والتي تشرف اليوم على وضع لمساتها السوداء الأخيرة بإزالة الرافدين العظيمين سنة 2040 .

 

الرافدان عراقيان ينطبق عليهما القانون الدولي:

ومع ذلك، فإنَّ قراءة منصفة لتاريخ الرافدين ستخرج باستنتاجات ليست بعيدة عن حقيقة ارتباطهما بالبلد الذي تشكل في حوضيهما واستمد وجوده الكياني والتاريخي منهما أي بلاد الرافدين " ميزوبوتاميا"، ومع ذلك فنحن نعتقد بأنَّ القول بهوية النهرين الحضارية العراقية لا يتناقض مع كونهما نهرين دوليين من ناحية القانون الدولي لأنهما يجتازان أراضي ثلاث دول، وأنَّ  الهدف الحقيقي والعاجل والملح هو الحفاظ على وجودهما وبقائهما في أرض الرافدين وضمان عدم إزالتهما بواسطة شبكة السدود التركية و التصدي للعدوان التركي بجميع الوسائل والأساليب الممكنة  بما فيها الدفاع المسلح عن النفس. إنَّ الأولوية الآن هي للقيام بهذه المهمة، وصولاً إلى عقد اتفاقيات محددة مع الدول المتشاطئة تضمن تحقيق ذلك الهدف عبر توزيع عادل لمياه النهرين بين هذه الدول، والتوصل أيضاً إلى صيغة عادلة بخصوص هوية النهرين تأخذ بنظر الاعتبار الواقع التاريخي والحضاري الصلد لارتباطهما بإقليم العراق، فهوية النهرين من هذه الناحية محسومة تاريخيا وحضاريا دون أن تتصادم أو تتقاطع هذه الهوية مع كونهما نهرين دوليين أيضاً لناحية انطباق القانون الدولي الحديث واشتراطاته عليهما. كلُّ هذا لنْ يتم دون وضع إستراتيجية دفاعية شاملة لا تهمل واجبات العراقيين دولة ومجتمعاً نحو الرافدين والعناية بهما والحد من الهدر وتأسيس بنية تحتية حديثة ومتطورة  للسقي والاستخدام الأمثل لمياههما.  

 

 

الخلاصة :

إن وثيقة منظمة اليونسيف التي حذرت من زوال الرافدين سنة 2040، هي جرس الإنذار الأخطر في تاريخ العراق. أما "منظمة المياه الاوروبية" فقد توقعت جفاف نهر دجلة بالكامل في ذات التاريخ، إذْ يفقد النهر سنويا ما يعادل 33 مليار متر مكعب من مياهه، بسبب "السياسة المائية الحالية التي تتبعها تركيا"، بالتالي فأنَّ العراق، وفي حال عدم تمكنه من عقد اتفاقات دولية تضمن حصصه المائية بشكل كامل، مقبل على ما أسماه بـ "كارثة حقيقية" تحوله إلى جزء من صحراء البادية الغربية خلال مدة لن تتجاوز الخمسة وثلاثين عاما المقبلة.

 وقد حذرت وزارة الموارد المائية العراقية في نهاية سنة 2010، من أنّ سد "اليسو" التركي لوحده، سيحرم العراق من ثلث مساحة أراضيه الصالحة للزراعة. إنَّ الرافدين ملتصقان وملزوزان بالعراق، ومنهما استمد وجوده واسمه وتاريخه. كانا نهرين محليين "وطنيين" عثمانيين، أما هويتهما الحضارية فهي رافدينية عراقية، وبعد انهيار السلطنة العثمانية وقيام الدول المستقلة الثلاث، العراق، تركيا وسوريا، أصبحا نهرين دوليين، أي "مجريين مائيين دوليين"  بحسب التعريف القانوني الدولي الجديد. أما تركيا، فتعتبرهما "مياه تركية عابرة للحدود"،  بهدف الاستحواذ على تلك المياه والمتاجرة بها وإنتاج الطاقة الكهرومائية منها. في النصف الأول من القرن الماضي، وفي مناخات الصراع البريطاني الفرنسي التركي، سعى وزير الخارجية البريطاني "كيرزن" لقطع العراق عن روافد ومنابع أنهاره في الشمال والجنوب، ولتحقيق هذا الهدف نفذ خطة محكمة ذات شقين ونجح في ذلك. إنّ الأولوية الآن هي للحفاظ على الرافدين في بلاد الرافدين وإنقاذهما من الزوال من خلال التصدي للعدوان التركي والإيراني بجميع الوسائل و وفق إستراتيجية دفاعية شاملة، تؤكد في الوقت نفسه على ضرورة تنفيذ العراقيين دولة ومجتمعا لواجباتهم نحو الرافدين والعناية بهما والحد من الهدر وتأسيس بنية تحتية حديثة تضمن الاستخدام الأمثل لمياههما.   

 

 

[1] - صحيفة  "الصباح" العراقية شبه الرسمية عدد 11/6/2009

[2] - الموقع الشخصي لإياد علاوي على الشبكة/ النت

[3] - نص ملتبس وعامر بالأخطاء اللغوية والأسلوبية نشره شخص عراقي يدعى قاسم سرحان كمقالة أو حوار مع سياسي عراقي هو هيثم الناهي على صفحة على الشبكة /النت تدعى  منتدى " مية هلا ".  

 

[4] - لإعطاء القارئة والقارئ فكرة عن الخراب اللغوي والأسلوبي الذي يعاني منه هذا النص الملتبس والموقع باسم قاسم سرحان، نعيد هنا اقتباس الفقرة كما وردت في المصدر، أي قبل تصحيحها من قبلنا في متن هذا الفصل (حتّى عاد لينهي إمارة عربستان العربية عام 1924م وتسليمها إلى إيران لمسألتين لا تختلفا عما ذكرناه آنفا وهما: الأولى منع مصب المياه القادمة من نهري الكارون والكرخة الإيرانيين للصب في الأنهار العراقية؛ وتقليل نسبة العرب في العراق لوجود القبائل العربية المتداخلة بين الجانبين. وبالتالي يكون قد انسلخ من عرب العراق ما يقارب 12% من نفوسه الإجمالية في حينه).