حكومة الاغلبية السياسية والفرصة الاخيرة

علي محمد اليوسف

ان المحاصصة السياسية وتقاسم السلطة والنفوذ والثروة التي زرع شجرتها الخبيثة في العراق (يول برايمر) سيء الصيت بعد الاحتلال الامريكي 2003،  ألحقت بالعراق دمارا وفسادا وفوضى سياسية وتخلّف لم يسبق مشابهاته ومثيله في تاريخ العراق منذ تأسيس الدولة العراقية بدايات القرن العشرين الماضي،  ولا حاجة التذكير ان العراق عاد الى الوراء بما لايقل عن قرن واكثر من التخلف والرجعية والفقروالفساد والانحطاط السياسي،  وانه أصبح اليوم من أضعف دول المنطقة والعالم،  حيث ترسم مصيره اليوم ماتسمّي نفسها (دولا) وهي في كل معايير تاريخ العراق، كان العراق سيدّها بكل شيء،  حضارة وابداع وفكر وفنون وتاريخ وحكومات سياسية قوّية مرهوبة الجانب يعمل حسابها الاعداء قبل الاصدقاء واغلبهم كان يقدّم للعراق فروض الطاعة والولاء أو ينال من هباته وكرم حكوماته وشعبه.

وبعد تجربة الديمقراطية المسخ بالعراق بعد احتلال 2003بدأت مع اجراء كل انتخابات نيابية مزّيفة ومجالس محافظات مشبوهة،  تتكرروتدوّر نفس الوجوه السياسية العميلة والطائفية والفاسدة،   المتربّعة على سدّة الحكم،  غير مكترثة ولا آبهة لمشاعر الناس ومعاناتهم ومطالباتهم برحيلها ووجوب محاسبة الذين اهدروا دماء ابنائهم وسرقوا ثروات بلادهم. فقد تمّت كتابة الدستور على مزاج محاصصاتي بين الكرد والشيعة، شاركهم عملاء من السنّة (معروفة اسماؤهم (10) مشبوهين فاسدين بينهم زعماء كتل سياسية لا زالت بالحكم لحد الآن،  هم الموقعّون على كتابة الدستور الحالي)،  ووضعت قوانين انتخابات لتكريس بقاء نفس الوجوه المشبوهة دورة انتخابية تليها أخرى لا يطالهم تبديل او تغيير، ولا تنفع معهم التظاهرات ولا الشجب والادانات،  واصبح الكل يغرق في وحول الفساد والعمالة ولا يلوح بالأفق منقذ للعباد من شرورهم المخزية، ولافي حلم العراقيين مجيء عبد الكريم قاسم ثان يبعث بمعجزة في عصرعلم لم يعد فيه مجيء انبياء ومعجزات واردا.

وكانت امام العراق فرصة تصحيح العملية السياسية في تشكيل حكومة أغلبية سياسية في عام 2010، ولكن لعبت المساومات والترضيات المشبوهة، وتقاسم السلطة محاصصاتيّا،  دورها بتشكيل حكومة ورئاسة برلمان ورئيس جمهورية،  من اضعف ما يكون في تاريخ الحكومات العراقية،  رئاسات ثلاث تتوزعها زعامات (كردي وشيعي وسني، كل واحد يجّر من جانبه له ولجماعته وطزّ بالعراق وأهل العراق) مهدّت أن يحصد العراقيين مزيدا من المآسي والدماء والتضحيات، واستشراء الفساد والتلويح بأقامة اقاليم انفصالية تروم تمزيق وحدة العراق،  وتنامي بروز المنظمات الارهابية(داعش وحواضنها) المدعومة بعملاء الداخل من السنّة وامريكا ودول الخليج والجوار، واصبح سقوط بغداد واردا ومحتملا لولا فتوى المرجعية التي غيّرت المعادلة فيما بعد وقلبت الموازين.

وهدر وسرقة المال العام بالمليارات من قبل مزدوجي الجنسية وغير المزدوجي واذنابهم من الذين اوصلوا الشعب العراقي الى الحضيض في كل مناحي الحياة،  وهم يتنقلون في دول العالم وفنادق خمس نجوم بما لم يمارسه أويحلم به اي دكتاتور لقيط في العالم،  وتركوا الشعب العراقي تحت همجية وهيمنة داعش،  وما ادراك ما داعش،  وهم في (الكوادة) مع عوائلهم في جنّة المتعة والسكر والمجون باموال العراقيين الفقراء وذوي الشهداء،  وبيع الوطن لمن يدفع اكثر اوأقل.ولا قضاء يحاسب ولا مجرم او عميل او سارق يوضع وراء قضبان السجون. قرارات لا تنفذ واوامر لا تطاع وعلى أعلى المستويات رئاسية وبرلمانية ووزارية وقضائية،  فأليس من الاعجوبة ان يبقى لحد الآن دولة كان اسمها العراق احترمها العالم ويزدريها بحق اليوم أيما ازدراء وأهانة؟ لأن الحكومة التي لا تحترم ارادة شعوبها، من الصعوبة ان تحظى باحترام دول العالم المتحضّرة التي تريد الخير للبشرية،  وليس مرضاة امريكا واسرائيل وعملاؤهما بالمنطقة فهي من حصتهم في خزيهم امام الله وشعبهم والتاريخ.

بعد انتخابات 2014 حصل التفاف او انقلاب ابيض،  بأسم الديمقراطية التصحيحية الكاذبة على الديمقراطية الانتخابية المزّيفة،  وكانت أدوات تنفيذ هذا الانقلاب خلف الكواليس زعماء كتل سياسية من المكونات الرئيسة الثلاث(كرد وشيعة وسنة)،  العميلة لأمريكا ودول الجوار،  ومن الطائفيين والمدانيين بالفساد وبدعم امريكي وتمويل مالي مشبوه الدوافع والغايات معلومة مصادره التي لم تتوقف لحد الآن عن التدخّل في شؤون العراق.وتوازع المتآمرون بينهم رئاسة الوزارة ومجلس الوزراء ورئاسة البرلمان وغالبية اعضائه،  ورئاسة الجمهورية وحاشيته النزيهة الوطنية!!،  وكل مفاصل الدولة بنفس طائفي وعرقي حقود،  وفساد وعمالة للأجنبي ودول جوار العراق،  بأكثر مما أراد لاحقا دعاة الاصلاح المخنوق المجاهرة به أو أرادوا تحقيقه بالتظاهرات المليونية،  وأعتصامات الاشراف الوطنيين الاعضاء في مجلس النواب من غير المتخاذلين الذين ركبوا الموجة وخانوا رفاق دربهم بالمزايدة الكاذبة غير المبدئية.وفق مبدأ المتاجرة بمآسي الشعب العراقي واللعبة السياسية(عايزة كدة) على حد تعبير اخواننا بمصر.في مقدمتهم كانوا نواب الكتل الشيعية من الانتهازيين الذين يلعبون على اكثر من وجه وتصرّف يمنحهم قيمة لا اعتقد يحصلون عليها.

اصبح اليوم ونحن على أعتاب دورة انتخابية جديدة، البحث عن مخرج يطيح بهذه الكيانات والاحزاب السياسية العفنة، أمرا شبه مستحيل،  الا في تجربة بداية ديمقراطية جديدة، لا يمكنها القضاء على هذه الزمرة الفاسدة كلّيا ومرّة واحدة، لكنها ستكون بداية جيدة في المضي قدما بها في المستقبل القريب وفي انتخابات قادمة،  ما لم يطرأ غير المتوقع في تاريخ العراق الذي اعتاد الاحداث الدرماتيكية،  تلك هي تجربة حكومة الأغلبية السياسية التي تضم جميع مكوّنات الشعب العراقي على اساس المواطنة والكفاءة والتخصص العلمي والوظيفي بأدارة شؤون البلاد،  وتوّلي المسؤولية اناس وطنيين مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة.(هذا الطرح كنت ادعو له منذ انتخابات عام 2010.ولكن يبدو ان الكلمة الوطنية في سوق الكساد الوطني الاخلاقي والنفاق السياسي العراقي لا رصيد حقيقي لها.لكني والعوض بالله ادعو بالكلمة لوطن الحضارة العريق العراق بلدي الذي اذلوّه  حفنة متاجرين خونة لا ذمّة ولا ضمير ولا حياء،  ولا أملك غيرالكلمة وأعرف انها أضعف الايمان).

لا بأس ان نقول ان مكونات حكومة الأغلبية المطلوبة التي نأملها من الانتخابات القادمة،  هم من الشيعة والسنة والكرد،  والاقليات من مسيحيين،  وكلدانيين، ايزيديين،  شبك،  تركمان، صابئة، وكرد فيليين.باشتراط ان لا يكون للاحزاب والكتل السياسية الحالية عليها اي سلطان لتسييرها في دروب الفساد والمحاصصة والعمالة للاجنبي.والاغلبية السياسية المطلوبة في المرحلة القادمة بعد انتخابات 2018 هي فرصة تصحيح مسار العملية الديمقراطية المتاحة والوحيدة للخلاص من شلّة المحاصصة والفاسدين.أو على الاقل هي المشروع البديل للدخول في مرحلة متقدمة من الممارسة الديمقراطية في العراق التي تكسر المحاصصة والفساد مرحليا وجزئيا،  وتمنع تنفيذ اجندات اقليمية امريكية مشبوهة تحاول تقسيم العراق وانهاء وجوده كبلد مشهود له تاريخيا بأنه قوة حضارية وكيان سياسي دولي بارز من دونه قوّيا،  يجري اللعب بالمنطقة بما يجعل النفوذ الامريكي الاسرائيلي وعملاؤه الصغارأسياد المنطقة العربية بلا منازع.

وفي الاغلبية السياسية لا أفضلية لعراقي على الآخر سوى بالكفاءة والنزاهة والاخلاص للعراق الواحد الموحد،  بعيدا عن أية وصاية لأحزاب طائفية ومحاصصاتية وفاسدة كانت سببا في ابتلاء العراق بالمآسي والكوارث والتخلف.وحكومة الأغلبية لا يشترط ان يتولى مسؤوليتها من يدعو لها انتخابيا،  بل يحققها من تفرزه صناديق الانتخابات(كتلة مكونات عراقية ذات  اغلبية شاملة) بغض النظر عن الطائفة او القومية او العرق،  تسترشد ببرنامج سياسي وطني اصلاحي، ويكون الانسجام والتوافق الوطني بين الرئاسات الثلاث هو الفيصل الهادي في تسيير امور البلد وتنفيذ الاصلاحات الجريئة،  بانسجام رائده مصلحة البلد والمواطن والعدالة والمساواة للعراقيين.

اما دعوة يجب ان يكون منصب رئيس الجمهورية من حصة المكوّن العربي السنّي ورئاسة الوزراء من المكّون الشيعي ورئاسة البرلمان للكرد،  فهو شرّ مؤقت لا بد منه في حال حصوله، لكن تبقى حكومة الاغلبية تشكيلة انتخابية وليس تشكيلة محاصصاتية،  وصحيح ان الاغلبية لما بعد الانتخابات القادمة لن يتمخّض عنها رئاسات ثلاث تمثّل اغلبية سياسية حقيقية خالصة دفعة واحدة كما في ديمقراطيات العالم،  لكن تجربة الاغلبية تمثّل انعطافة كبيرة في اصلاح المسيرة الديمقراطية وتخليصها من امراضها المزمنة،  بعد انتخابات 2018،  وهي البداية ان هذه المناصب في الرئاسات الثلاث في مكوناتها وملاحقها الوظيفية،  ستكون من حصة المواطنة العراقية اولا واخيرا،  بمعنى ان شعب العراق لايعدم من وجود كردي عراقي وطني كفوء ونزيه لرئاسة البرلمان العراقي يخدم العراق وليس الكرد وحدهم مثلا،  بنفس معيارأن العراق لايخلو من  مواطن شيعي غير المتداولة اسماؤهم لتولي رئاسة الحكومة بما يخدم العراق وليس الطائفة،  او سنّي وطني كفوء لتولي منصب رئيس الجمهورية يمثّل العراق كل العراق بمكوناته التاريخية،  اويزيدي او شبكي او تركماني من التكنوقراط في تولي الوزارات وهكذا.

اخيرا في ملاحظة هل من المعقول ان يتقبّل الشعب العراقي نتائج حكومة اغلبية سياسية تتحقق انتخابيا،  ينفرد بها المكّون الشيعي بشغل زعامة الرئاسات الثلاث؟ وكذا الحال في الاحتمال مع المكّون السني او الكردي،؟ ديمقراطية الاغلبية بالعالم تقول نعم يمكن ذلك، لكن عندنا بالعراق في ظل ممارسة ديمقراطية ناشئة ومراهقة،  ووقائع الحياة والتاريخ المشترك والاخوة الوطنية والاجتماعية والتآخي والتعايش الديني ترفض ذلك وتعتبره من المحرّمات التي تقوّض النسيج المجتمعي التاريخي والحضاري للعراق.فاذن قدر العراقيين التاريخي والحضاري ان يكون وطن الجميع وخدمته مسؤولية الجميع، ولا امريكا ولا دول جواره ولا عرب الخيانة ولا غيرهم يرسمون للعراق مستقبلهم ومستقبل اجيالهم هكذا هو تاريخ العراق عبر الاجيال ويبقى.

 

علي محمد اليوسف / الموصل

....................

ملاحظة: من موقع مثقف عراقي علماني مستقل لا انتمي لحزب سياسي ولا مرشّح لانتخابات قادمة ولا في انتخابات لاحقة ربما لايسمح عمري اشهدها ادعو كل عراقي لانتخاب المرشح الذي يلتزم بتشكيل حكومة اغلبية سياسية بعد الانتخابات وفق منهاج انتخابي معلن وتتوفر به المؤهلات في حال قناعة الناخب جدواها.

صحيفة المثقف