وزير الموارد المائية يتهم المحذرين من الكارثة بإثارة الذعر وهو يثير الذعر أكثر منهم؟!

علاء اللامي

 لماذا لم يعطِ وزير الموارد المائية في حديثه الأخير لسبب حبس المياه خلف مئات السدود التركية وقطع الروافد من إيران وزنه الحقيقي كسبب رئيس للكارثة؟ في هذا التسجيل تحدث وزير الموارد المائية حسن الجنابي عن واقع الحال المائي الصعب في العراق هذه الأيام. الوزير بدأ كلامه بزلة لسان مكررة اعتبر فيها حوضي الرافدين حوضا واحدا ولكنه لحسن الحظ استدرك جملته وصحح العبارة!

* لقد كذَّب الوزير ونفى الخبر الذي نشرته وكالة "السومرية نيوز" نقلا عن تصريح لأعلى مسؤول حكومي في قضاء المجر هو القائممقام أحمد عباس حول (توقف مياه نهر دجلة في قضاء المجر الكبير). وقال إن الخبر غير صحيح والصحافي كان كاذبا، وكان عليه ان يعتمد مصادر الوزارة ومعلوماتها. إن من الواضح أن هناك خلط وعدم دقة في جزء من الخبر. إذ يبدو أن الصحافي خلط بين ما قيل عن انقطاع المياه القادمة من دجلة إلى فرعه نهر المجر وبين نهر دجلة نفسه، ولكن الخبر ليس كذبا. ولكن هذا التدقيق في الاسم لا يعني أن الخبر كاذب، فجريان المياه في نهر المجر قد توقف فعلا، والمياه في دجلة نفسها باتت أقل من المعهود كثيرا. أي أن الموضوع يتعلق بفرع أو راضع من دجلة وليس بدجلة نفسه، وكان على الوزير توضيح اللبس الحاصل أمام الرأي العام. وما يؤكد أن الخبر فيه خلط في الأسماء ولكن مضمونه صحيح أن الناطق باسم الوزارة حميد النايف نفسه أكد خبر (انقطاع المياه في المجر)، وأن رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي وجه اليوم بزيادة حصة قضاء المجر من المياه ووقف التجاوزات عليها، كما نشرت وكالة "بغداد اليوم".

*ومن باب الإنصاف والموضوعية، كنت قد ذكرت في مقالات ومنشورات سابقة أن الوزير الجنابي لا يتحمل مسؤولية بمفرده الكارثة المائية في العراق اليوم. وذكرت أنه استلم منصبه من فترة قصيرة نسبيا ولكن المشكلة الكبيرة ليست هنا، بل في سكوت النظام والوزير عن جذر المشكلة وهي سدود دول الجوار العملاقة وانعدام أو ضعف الموقف العراقي الواجب منها، والذي يجب أن يستند على ما لدى العراق من أوراق قوة وعلى القوانين الدولية وخصوصا الاتفاقية القانونية لمجاري الأنهار الدولية للأغراض غير الملاحية لسنة 2014 وضرورة البدء بتدويل المشكلة دون تضييع للمزيد من الوقت لإجبار تركيا وكذلك إيران على توقيع اتفاقيات دولية تضمن حصصا عادلة للعراق من مياه النهرين المحبوسة خلف جبال الإسمنت والحديد "السدود العملاقة" بين الجبال شمالا وشرقا، وهما النهران الرافدان اللذان يستمد منهما اسمه وجوده الجغراسياسي والطبيعي.

*قال الوزير إن الحكومة اتخذت عدة قرارات حقيقية لمواجهة الأزمة ووضعت خطة عمل بدأت وزارته بتنفيذ القسم الخاص بها منها دون أن يوضح ماهية تلك الإجراءات. كما لم يعلق الوزير على خبر تم تداوله في هذه الأيام -ولم أذكره في منشوراتي لأنني لم أرجح صحته ولم ينشر في مصدر رصين-يقول إن الوزارة أطلقت ما نسبته 80% من مياه سد الموصل وإذا صح هذا الخبر فهو كارثة وخطأ إجرامي فعلا. وكان مفيدا لو عرج عليه الوزير نفيا أو تبريرا.

* تكلم الوزير أيضا عن الصور التي تنشر في الصحافة والإعلام الاجتماعي " سوشيل ميديا" للأنهار الجافة في الجنوب ولم ينف صحتها بل لمح إلى أنها ربما تكون قديمة أو تكون صور لأنها جفت بسبب التناوب في إطلاق المياه لأنهار وحبسها عن أنهار أخرى.

* كرر الوزير كلامه عن حالة الشحة المائية في العالم والمنطقة، وقال إنه هو نفسه تحدث عنها مرارا. وعللها بالأزمة المناخية وقلة الوراد المائي بسبب استعمالات بلدان الجوار وتحكمها بالمياه الواردة، وذكر أيضا بطرق الإرواء القديمة والتبذيرية في العراق سوء القنوات ومجاري الأنهار في العراق وتأثير حالة الجفاف و"الاحترار المناخي" العالمي وقلة الأمطار والثلوج المتساقطة هذا العام. وكل هذا الكلام صحيح ومن الجيد والمفيد مصارحة الشعب به ولكن هل يجوز قانونيا وسياسيا وأخلاقيا ودينيا التركيز على السبب المناخي وقلة تساقط الأمطار فيما تركيا وإيران يحبسان مليارات الأمتار المكعبة من مياه النهرين خلف سدود عملاقة شيدت دون تشاور أو تنسيق مع العراق بوصفه دولة المصب الأدنى؟ هل يجوز أن يتخصص الوزير بالظهور وهو يحاول أن يبرر واقع الحال السيء، ويمهد نفسيا للكارثة القادمة، بذكر أمثلة عن حالة الجفاف والشحة المائية في دول أخرى وماذا سيحدث في دولة جنوب أفريقيا ومدينة كيب تاون قريبا دون أن يضع يديه على الجرح ويذكر ولو من باب تسجيل الشهادة أن العراق دولة معتدى عليها من قبل دول الجوار وأن حصته من المياه مسلوبة ومتحكم بها بشكل عدائي ومضر بالعراق وشعبه؟ ليت الوزير العراقي وجه نصف لومه ونقده للممارسات التركية والإيرانية مثلما انتقد ولام مطولا من ينتقدون واقع الحال السيء والمثير للتشاؤم من العراقيين واتهمهم بأنهم يثيرون الذعر والفزع بين الناس!

*كرر الوزير انتقاده لمن يكتبون (تقارير مفزعة لإثارة الذعر بين السكان عن الموضوع أو إلقاء اللوم على هذه الجهة أو تلك). إن من الغريب فعلا أن ينتقد الوزير الكتاب والإعلاميين الذين ينقلون صورة متشائمة عن الواقع المأساوي ويتهمهم بإثارة الذعر والفزع بين العراقيين ولكنه لا يعتبر كلامه هو شخصيا عن مدينة كيب تاون وكيف أن خزاناتها ستكون خالية من مياه الشرب لدرجة الصفر في يوم 12 نيسان القادم كلاما يثير الذعر والفزع.

فهل المشكلة والكارثة الحقيقية هي في نقل الصورة المأساوية والتحذير من تفاقمها أم في الكارثة نفسها؟ هل المشكلة الحقيقية في الفزع والصراخ على القتيل أم في جريمة القتل ذاتها والتي سيروح الرافدان دجلة والفرات ومعهما الشعب ضحية لها؟!

*رابط تسجيل فيديو الوزير حسن الجنابي:

https://www.facebook.com/mujtahadalanbar2016/videos/1578774965493611/

رابط خبر توجيه العبادي بزيادة حصة قضاء المجر من المياه وأخبار أخرى:

http://baghdadtoday.news/ar/news/34713/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D9%8A_%D9%8A%D9%88%D8%AC%D9%87_%D8%A8%D9%88