مازق الجناح الشيوعي: قوى مضادة للوطنية ( 3/3)

عبد الامير الركابي   

مايزال تاريخ العراق الحديث، خاضعا لاثر نفس النقيصة التي بررت في العشرينات والثلاثينات، غلبة التيارات الايديلوجية، ومنحتها الفرصة، كي تحل محل وطنية عراقية غائبة، لم يكن قد ان أوان تبلورها، لاسباب بنيوية وتاريخية، وبالامكان تصور مكانة العقل والفكر وشقاءه، في حالة من هذا القبيل، وهو مايمكن ان يلاحظ وراء سجل غياب وحضور هذا العنصر الحيوي في الحياة الوطنية العراقية، وبالأخص استمرار ظاهرة التسطيح والدعاوية، ونزعة العملية الطاغية، والابتسار والتكرار الممل للمحفوظات، واذا ماقورن تاريخ العراق الحالي، بالمعروف عن هذا الموضع تاريخيا، من ريادة وثراء كوني، ميزا دورتيه الحضاريتين: الأولى السومرية /البابلية، والثانية العباسية /القرمطية، بكل مارافقهما من تفجر وجوح زاخر وكوني، وتعددية وثراء، ووضع مدرسيات "فهد" والقوميين وكتابات الجادرجي البائسة، مقابلها، فان المقارنة ستكون مبكية، بالأخص اذا ماتذكرنا اننا نتحدث عن "الحاضر" و "العصر" و "الحداثة"، بمقابل القرون الغابرة والوسطى.
ولايمكن لاي قاريء لهذه الظاهرة من زاوية العقلانية والتاريخ، ان لايرى في مثل التبجيل الذي يحاط به بعض الأشخاص، ولايضعه في خانة بقايا عصور الانحطاط، بالاخص حين لايلاحظ الدور الذي لعبه هؤلاء و" أفكارهم" المنقولة، الأثر بالضد من الوطنية العراقية الكونية المتجاوزة لمشروع الغرب الحديث، والمتصلة موضوعيا، بمقتضيات "مابعد غرب"، لصالح المنظور الغربي، واضطراراته الناجمة عن خصوصية التضاد بينه وبين كينونة العراقية، لاعتماد وسائل استثنائية مبتكرة، كانت تضفي على ادائة المعتاد، نكهة الخروج على قواعده المعتمدة، ضمانا لحضوره، ناهيك عن نفوذه، على هذا الجزء من العالم.
ومادام المنظور الوطني العراقي مايزال غائبا، فان سرديات تاريخ العراق الحديث، تبقى غائبة، ومصادرة لصالح نظرات مركبة من خارج اللوحة التاريخية، ومن ذلك فرض المنظور الايديلوجي المعروف باليساري، على انه ممثل الوجهة "الوطنية"، او "الثورية"، وليست الروسية، مقابل البريطانية، ولا على اعتبار قوة الزخم الجماهيري الشعبي من اسفل، مع غياب التعبير الوطني المطابق،ما قد اوجدت فرصة استثنائية لزعزعة إمكانات توطد النفوذ البريطاني في العراق، ولم يجر مثلا التساؤل، عن الأسباب التي جعلت "فاسيلي" مؤسس الحزب الشيوعي العراقي الفعلي، يأتي الى "الناصرية" بالذات ( هو اثوري عراقي أصولا هاجر ابوه الى تفليس في جورجيا أيام العثمانيين، والتي ستصبح احدى بلدان الاتحاد السوفياتي بعد ثورة اكتوبر1917)، ليرعى ويعلم، شخصا، "مسيحيا"، بعد فشل محاولة تأسيس أولى، اضطلع بها العربي المسلم "حسين الرحال" في بغداد، هو يوسف سلمان " فهد"، مع أخيه داود، ويدربه وزميله الاخر، الذي لعب معه دورا عمليا مهما، بالاخص في البصرة، وهو زنجي من بقايا ثورة الزنج زمن العباسيين، يدعى "غالي الزويد". كما لم يسبق لاحد ان تساءل، اذا ماكان اعدام "فهد" عام 1949 قد حدث نتيجه للصراع القطبي الدولي، بين الإنكليز والروس، او بسبب عبقرية "فهد" الفذة، وهو سجين خارج الفعل، او"عظمته" التي لادليل عليها، بالاخص كما يمكن للمرء ان يستخلص من كتاباته البائسة، علما ان حزبة وقتها، كان قد اخذ يتشظى، وتتحكم به التنازعات الفئوية، مع انه يصور كرافع راية الثورة التاريخية الكبرى، وكانه تمثل ب"كوراجينا"، ابن الناصرية الاولى، وأول من رسم كلمة ( حرية / امارجي) في التاريخ البشري ،على لوح مكتوب، قبل اكثر من الفي عام قبل الميلاد، ونادى بحقوق الفقراء والمظلومين والمعدمين وكل حقوق الانسان، التي يتغنى بها اليوم دابكو ساحة التحرير، وكانت شريعته العراقية الأولى، الأساس الذي صادره حامورابي بعد ان زيفه.
لقد امل الغرب، بجناحية المتصادمين في العصر الحديث، بعد ثورة "مجتمع اللادولة" العراقي 1920 بوجه الاحتلال الإنكليزي، وهو مااذهل المستعمرين وقتها، وجعلهم يلجأون لأول صيغة في التاريخ من صيغ "الاستعمار الجديد"، كما عرفت لاحقا في الستينات، باعتمادهم مبدا "الحكم من وراء ستار"، امل هؤلاء باحتواء ارض الرافدين، عن طريقين متعارضين، بحسب مركزي الفعل الدوليين: الوطنية باسم "الدولة"، وهو ماذهب الإنكليز لوضعه موضع التنفيذ منذ عام 1921، والوطنية باسم "التحررالوطني"، حيث الفرصة متاحة لان يكون اليسار من بين قواها، وهو راس حربتها لاسباب بنيوية ( غير طبقية طبعا) متعذر التعبير عنها، لقد قام الإنكليز بقتل "فهد" اعداما، بعد صدمتهم اثر انتفاضة عام 1948 ، بغرض الرد على الروس، ولاعلامهم بان مساعيهم لزعزعة الوجود البريطاني، لن تقابل بالتساهل، لهذا اتخذ قرار الإعدام، صيغة الكيفية المخالفة لنزعة الإنكليز القانونية، شبه المعلنة، وبدون مبررات، او أسباب فعلية موجبة، بغرض ان تكون الرسالة جلية واضحة.
وتصل تعرجات هذه الثنائية وتبدل أطرافها، بعد تصدر الولايات المتحدة الامريكية للراس المقابل للراس السوفيتي قطبيا، الى التسوية الأكبر التي جاءت أخيرا بنظام يقوده "حزب عقائدي"، متحالف مع الحزب الشيوعي، عام 1968 بعد استبعاد إمكانية الانقلاب العسكري، وقد ثبت عجزها كوسيلة معتمدة في العالم الثالث، وعدم جدواها عراقيا، وفي هذا الاطار، تم بعد ثورة تموز1958 ، تحوير الحزبين الرئيسيين، ليلائما مقتضيات الحكم، تحت سقف الثنائية القطبية الدولية، فكان "حزب البعث" السلطوي العائلي الريعي، والحزب الشيوعي "المستكرد"، الموكول له دور "بعثي الجبال"، مع شبح حزب في المناطق العربية،. الامر الذي لم يستمر لاقل من عقد من الزمن، تغيرت المعطيات بعدها، لتجعل من التدبير الانف، خارج إمكانية الاستمرار، مع صعود التحدي الإسلامي، والثورة الإسلامية الإيرانية.
ومن يومها انتهى دور الحزب الشيوعي، كقوة فاعله، او متصدرة للاحداث، او ذات رؤية يمكن الاستناد لها، او اتباعها، وحل الارتجال والفبركة، واستغلال الماضي، واختلاق الروايات عنه، وتشويه مغزاها، الامر الذي تفاقم للحد الأقصى، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991 ، حين بدا الحزب يتحول الى قوة متلائمه مع المشروع الغربي، بطبعته العولمية التدميرية المفتتة، والساحقة للدولة وللحداثة، ومع تحول الغرب الامبريالي، من سياسة " صناعة الأمم" في بداية القرن الماضي، الى "تفتيتها". يجد الحزب الشيوعي نفسه متلائما مع سياسة غزو العراق وتدميره، وسحق المتوفرمن "دولته الحديثة"، ( يناضلون اليوم لاعادة بنائها، بعد ضياع جهود وخبرات شعب في اقامتها، استمرت ل 82 عاما، بكل مااحتوته من طاقات، وخبرات، وجهود، وثروات لاتحصى) من قبل الأمريكيين، ومشاركا بتمخضاتها السياسية، بالعمل تحت جناح قوى ماقبل الدولة، ونظام "الطائفوقراطية"، وهو ينغمس اكثر فاكثر، عاكسا باطراد مفاعيل النظام القائم داخل بنيته، وانتمائه له، ماقد وصل لخيارات قادته المعلنة، مابين الطوائف، في حين يحرص قادة النظام التفتيتي على استخدام هذه الفئة، او بقايا الحزب، مع من هم قريبين منه من منظمات مايعرف بالمجتمع المدني، كاداة لتصريف الازمات، ولركوب التفجرات المجتمعية ، لغرض وتفريغها من محتواها، وادراجها ضمن، وداخل ممكنات النظام ومايؤمن استمراريته.
ونحن نتحدث هنا عن فصل ثري جدا، من تاريخ العراق، وعن نهاياته وماوصل اليه، في وقت تلح فيه ضرورات تبلور الرؤية الوطنية المتعذرة منذ سبعة الاف عام، الامر الذي هو من دون شك، احدى المحطات الكبرى المنتظرة في التاريخ الإنساني، وتاريخ الانتقال الى الطور الحضاري الثالث، بعد ان انتهى الطور الثاني واخر تمخضاته، المتمثلة بالغرب الافل، ومنجزه الحديث، ومثل هذا الاستحقاق، ليس اقل من تحد من نوع خارق، لايمكن توقع الانتقال نحوه بالمقاربات البائدة، وباستعادات الايديلوجيات، واطرافها وتياراتها، المتياسرة مرة، او المتيامنة اخرى.
ثمة عصور تشارف اليوم على الغروب، وثمة انبلاجات مضمرة في رحم ارض مابين النهرين.. العالم لن يعود بعدها ماقد عرفناه من قبل على الاطلاق.