القانون الدولي وإمكانيات اللجوء للمحاكم الدولية حول مياه الرافدين

علاء اللامي

الفصل الثامن من كتاب " القيامة العراقية الآن -كي لا تكون بلاد الرافدين بلا رافدين

اجتماع فاشل وإهانات للضيوف:

كانت آخر مرة اجتمع فيها ممثلو الدول الثلاث المتشاطئة، تركيا، العراق، وسوريا، قد حدثت في أنقرة يوم الخميس 3/9/2009 . ونظراً لأهمية ما دار وما تسرب عن هذا الاجتماع، فسنخصه بوقفة تحليلية، قبل أنْ نتعرض لعنوان هذا الفصل الخاص بموقف القانون الدولي وإمكانيات اللجوء للمحاكم الدولية.

 لقد لخص الصحفي المتخصص بالشؤون التركية حسني محلي لمراسل إذاعة دويتشة فيله "الإذاعة الألمانية"، نتائج هذا الاجتماع، لوزراء المياه في تركيا والعراق وسوريا بالقول ( إنَّ الاجتماع الذي عقد لعدة ساعات انتهى برفض تركيا القاطع لتوقيع أية اتفاقية لتقاسم المياه بموجب الاتفاق المبدئي لسنة 1987، والذي تعهد الجانب التركي بموجبه بإطلاق ما مقداره 500 متر مكعب في الثانية، من المياه نحو سوريا على أنْ تترك سوريا ما نسبته 58 % منها تذهب إلى العراق، ليتم - في السنوات اللاحقة – إطلاق كميات أكبر من المياه من قبل تركيا حتى تصل إلى 650 متراً مكعباً. إنَّ الرفض التركي لتوقيع هذا الاتفاق، أو أي اتفاق آخر، حتى ذلك الذي تم التوصل إليه في الاجتماع الأخير لتشكيل لجان فنية مشتركة لمراقبة وحساب كميات المياه المطلقة نحو سوريا والعراق، يقوم على المزاعم التركية التي لا سابق لها، والقائلة بأن نهري دجلة والفرات ليسا نهرين دوليين بل هما نهران تركيان عابران للحدود)[1].

نعتقد أنَّ جذر الأزمة، ولبَّ المشكلة، وبالتالي ركائز وبواعث التجاوزات العدوانية التركية الخطيرة على العراق وشعبه وأنهاره، إنما تكمن هنا بالضبط. أي، في الانتهاك التركي للقانون الدولي واعتباره دجلة والفرات نهرين تركيين عابرين للحدود التركية وليسا نهرين دوليين، وهذا ليس أمراً جديداً بل هو قديم قِدَم الخطط التركية وأطماعها في مياه ونفط العراق. وبهذا الصدد، يؤكد الأستاذ الجامعي العراقي نجم عودة هذا المعنى حين يكتب ( إنَّ تركيا لا تريد أنْ توقع اتفاقية لتقاسم مياه النهرين، لأنها ترى أنه ما دامت مصادر المياه في تركيا، فانَّ هذا يعني إنها هي صاحبة الحق في التصرف بها، فإذا ما تم اعتبارها دولية فإن مشروع "الغاب" سوف لن يظهر إلى النور ما دامت قد وقعت على اتفاقية بهذا الشأن، فضلاً عن أنَّ موقفها المتحكم بكمية المياه سوف يجعلها تتمتع بميزة الجار الذي يسعى الجميع إلى عدم إغضابه. و في العام 1990، بلغت الأزمة بين تركيا من جهة وسوريا والعراق من جهة أخرى ذروتها، عندما أقفلت تركيا نهر الفرات بالكامل بحجة إملاء سد أتاتورك[2]، وعلى الرغم من أنَّ تركيا ادعت في حينه أنَّ العملية  الخاصة بسد أتاتورك  فنية بحتة، وليس لها أي طابع سياسي، إلاّ أنَّ هذا الإجراء جاء كأسلوب ضغط مباشر على كلٍّ من العراق وسوريا، لمنع تواجد الثوار والمعارضين الأكراد على أراضيهما، ولمنع تسلل الأكراد المعادين للنظام التركي من خلالهما.)[3]

إن الغطرسة التركية قد بلغت أوجها بإفشال اجتماع أنقرة، فحتى قبل أنْ يعقد الاجتماع بساعات قليلة، وجه وزير الطاقة التركي "تانر يلدز" إهانة قاسية لضيوفه بأنْ استبق الاجتماع بالقول إنَّ بلاده لن تطلق المزيد من المياه نحو سوريا والعراق لأنها بالكاد تفي باحتياجاتها الداخلية للمياه، وأطلق كذبة هائلة يريد لنا أن نصدقها في عصر الأقمار الاصطناعية والانترنيت والمسابير الخارقة مفادها أنَّ سد أتاتورك العملاق لم يعد فيه الكثير من المياه، فيما فسر البعض كلامه بأنَّ الأتراك يخشون أنْ يؤثر إطلاق المياه نحو العراق على توليد الطاقة الكهربائية من السد!

الوزيران العراقي والسوري ابتلعا هذه "التحية" التركية على مضض، ولم يجرؤا على الانسحاب من الاجتماع بل استمرا فيه على أمل الخروج منه بنتيجة ما.

وزير البيئة التركي "فيصل أوغلو" كان أكثر كرماً من زميله "يلدز"، فقال بأنَّ تركيا ستحاول، بلى، ستحاول مجرد محاولة، زيادة الكميات المطلقة من المياه نحو سوريا والعراق! وهذا الوعد من السيد أوغلو ليس جديدا، فلقد تكرر عشرات المرات شفهيا وتحريرا على ألسنة كبار المسؤولين الأتراك الذين أصبح إطلاق هذا النوع من الوعود الكاذبة أشبه بالأوكسجين بالنسبة لهم!

الوزير السوري للمياه، آنذاك، "نادر البني"، بدوره أثبت أنه من المغرمين بهذا النوع من أوكسجين، فقد أعلن، وأمام الوزير العراقي الذي أكد انخفاض مناسيب المياه في العراق إلى الثلث أو أقل من الثلث، بأنَّ سوريا زادت من حصة العراق من المياه من 58% إلى 69%. فكيف يمكن للفلاحين العراقيين ومربي الجاموس في الجنوب و مزارعي الشلب "الرز" في الفرات الأوسط أن يصدقوا هذا التصريح الحاتمي في كرمه، وهم يشاهدون بعيونهم تصحر الأهوار والبحيرات وشبكات الجداول والترع، و هم يحزمون أمتعتهم استعدادا للهجرة من منطقة إلى أخرى؟

إن الاجتماع الوزاري الثلاثي الأخير في أنقرة، فشل بكل المقاييس في تحقيق أي هدف مركزي، وهذا يعني أن الأتراك أعلنوها حربا إبادة حقيقة على العراق خصوصا. وعلى هذا، ينبغي على الحكم العراقي القائم اليوم، أن يرد على هذا التحدي بما يتناسب وخطورته فيستعد لتدويل هذه المشكلة الكارثية و رفعها وبشكل عاجل إلى الأمم المتحدة والمحاكم الدولية المتخصصة كمحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية ويتمسك بحقه في الدفاع عن النفس بجميع الوسائل، وهذه ليست سابقة تاريخية فنظام حسني مبارك هدد مرارا دول حوض النيل بهذا الخيار، والرئيس العراقي الراحل البكر هدد به نظام الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد كما أسلفنا، وإلا فسوف يأتي اليوم الذي يحاكم فيه أقطاب الحكم العراقي هؤلاء بتهمة التواطؤ أو الإهمال أو سوء إدارة الأزمة و تسهيل وقوع التجاوزات العدوانية التركية و إبادة العراق والعراقيين.

التدويل والتحكيم وشروطهما:

بالعودة إلى موضوع المطالبة بتدويل الكارثة المحدقة دجلة والفرات و العدوان التركي والإيراني المائي على العراق وسوريا، نرى إنَّ من العاجل والضروري أنْ يبادر الحكم العراقي، رغم تحفظاتنا الكثيرة والشديدة على طبيعته السياسية، وتحالفه مع الاحتلال الأجنبي، إلى تدويل هذا الملف من خلال رفعه إلى هيئة الأمم المتحدة وإلى محكمة العدل الدولية وإلى المحكمة الجنائية الدولية[4] ومطالبة الهيئة الأممية بالإشراف المباشر والعملي عليه، من خلال إرسال بعثة رسمية دائمة إلى العراق لمتابعة التطورات الخطيرة على الأرض والتي تنبئ عن بلوغ حالة الكارثة الوطنية الشاملة.

أما بخصوص محكمة العدل الدولية، فالمعلوم أنَّ تركيا سترفض الموافقة على المثول أمامها، كما أشرنا في مناسبة سابقة، لأنها رفضت التوقيع على الاتفاقية التي أشرفت عليها الأمم لمتحدة في التسعينات من القرن الماضي، والتي تدعى "اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية" والتي تعتمدها هذه المحكمة ضمن ما تعتمد من اتفاقيات وقوانين. والواقع فإنَّ النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية يشترط لتحقيق ما يسمى "اختصاص الإلزام الأساسي" اعتماد أحد الأساليب الآتية التي نصت عليها المادتين 36-37 للتعبير عن إرادة الدولة باللجوء إلى المحكمة من أجل منازعاتها القانونية بأحد الأساليب الآتية:

أ‌- أسلوب الاتفاقات الخاصة.(special agreement )

بمقتضى هذا الأسلوب، يمكن لدولتين أو أكثر، أنْ تتفقا على إحالة نزاع قائم بينهما إلى محكمة العدل الدولية عن طريق توقيع اتفاقية تعقد فيما بينهما لهذا الغرض. فتضع محكمة العدل الدولية يدها على النزاع بمجرد استلامها إشعاراً بالاتفاقية الخاصة الموقعة بين أصحاب العلاقة. وأهم ميزة في هذا الأسلوب هو تجنّب المحكمة أمر الطعن في اختصاصها من قبل أحد الفرقاء فيما لو قدّمت الدعوى من طرف واحد. وهذا الأسلوب ليس عمليا، فتركيا و إيران لا يمكن أنْ توافقا على المثول مع العراق أمام هذه المحكمة لتأكدهما من أنَّ الإدانة ستكون من نصيبهما وفق القانون الدولي. وحتى لو أقام العراق الدعوى بشكل منفرد فسوف تطعن تركيا أو إيران أو كلاهما بالحكم .

ب‌- أسلوب التعهد المسبق pre-earlier commitment:

وبموجب هذا الأسلوب قد تقبل أية دولة باختصاص محكمة العدل الدولية للنظر في المنازعات التي قد تنشب في المستقبل بينها وبين الدول الأخرى، وهو ما يشكل تعهداً بالمثول أمام المحكمة دون حاجة إلى اتفاق خاص لاحق،  إذا ما نشبت مثل هذه المنازعات. وهذا الأسلوب خارج الصدد، لأن القضية التي نحن بصددها ليست مستقبلية بل واقعة فعلاً ولها امتدادها المتحقق في الماضي.

ت‌- أسلوب التصريح الاختياري: Voluntary declaration

يمكن للدول، الأطراف في النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، أنْ تعطي تعهداً واسعاً في أي وقت تشاء بإعلانها قبول الاختصاص الإلزامي للمحكمة، تجاه أي دولة تقبل بنفس التعهد في المسائل المتعلقة بتفسير معاهدة، أو بأية مسألة من مسائل القانون الدولي، أو بما يتعلق بأية واقعة يكون من جراء وجودها نشوء خرق لالتزام دولي، وأخيراً، بصدد طبيعة ومدى التعويض الناجم عن مثل هذا الخرق. وهذا الأسلوب مستبعد أيضا، بسبب مواقف تركيا وإيران الرافضة المتوقعة لخيار محكمة العدل الدولية. وحين نقول المتوقعة، فليس المهم البحث في النسبة المحتملة للرفض التركي أو الإيراني أو القبول، بل هو وجوب مبادرة العراق إلى طرح الموضوع عمليا، وبقوة تتناسب وطبيعة الخطر المحدق به وطنا وشعبا، ولكي تتم تعرية مواقف السلطات الحكومية في تركيا وإيران تماما، وكشف حقيقتهما المعادية للعراق وشعبه أمام شعبيهما وشعوب العالم أجمع إذا ما رفضتا هذا الخيار، وهذا بحد ذاته إنجاز ليس بالضئيل وخطوة على طريق إنقاذ العراق والعراقيين.

 أمثلة على التحكيم :

كمثال على حالات التدخل الناجح لمحكمة العدل الدولية في النزاعات المائية بين الدول، يمكن التذكير بحكمها في النزاع على نهر "موسيه" بين بلجيكا و هولندا، حين اعترضت الأخيرة على مشروع بلجيكا لحفر قناتها التي تأخذ من النهر المذكور، وردت بلجيكا بأن هولندا سبقتها في إنشاء مشروع مماثل. وأصدرت محكمة العدل الدولية حكمها سنة 1937، بعد أنْ تأكد لها أنَّ إنشاء القناتين الهولندية والبلجيكية لا تؤثر فعليا على النظام الطبيعي للنهر، وجاء في الحكم ( تتمتع كلُّ دولة بمطلق الحرية داخل حدودها الإقليمية باستخدام المجرى المائي، إذا لم يؤثر ذلك على إنقاص حصة الدول الأخرى)[5]. أما مثال قضية نهر الدانوب التي حكمت فيها المحكمة ذاتها بين هنغاريا وسلوفاكيا فهو قريب جدا من الحالة العراقية والعدوان التركي المستمر فيها. فقد حكمت محكمة العدل الدولية، بتاريخ 25/9/1997، في النزاع بين البلدين المذكورين لصالح هنغاريا، بعد أن ألحق مشروع سلوفاكيا المائي على نهر الدانوب الدولي الضرر بمصالح الدولة الأخرى. وقررت المحكمة أنَّ (سلوفاكيا قد فشلت في احترام متطلبات القانون الدولي عندما شرعت من جانب واحد بتنفيذ أعمال على مصدر طبيعي مشترك مما أدى في النتيجة إلى الإضرار بممارسة هنغاريا لحقها في الاستخدام المنصف والمعقول لمياه نهر الدانوب).[6]

وكما أسلفنا، فإنَّ أحكام محكمة العدل تشترط لتكون ملزمة موافقة الطرفين المتقاضيين أمامها على الحكم والقضية. ولكنْ، وحتى على افتراض رفض تركيا وإيران الموافقة على التقاضي أمام محكمة العدل الدولية بموجب اختصاص المحكمة الإلزامي، الذي ناقشناه للتو، فإنَّ الأمر لا يعتبر منتهيا، إذْ ثمة ما يسمى الاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولي، وبموجبه تختص محكمة العدل الدولية - إضافة إلى اختصاصها القضائي - باختصاص استشاري عبر إصدار آراء استشارية حول المسائل القانونية التي تحيلها إليها الهيئات المفوضة بمثل هذه الإحالة بموجب المادة "96" من ميثاق الأمم المتحدة، ومن تلك الهيئات المفوضة  الجمعية العامة و مجلس الأمن و الوكالات المتخصصة المرتبطة بها.

 وبموجب هذا الخيار، وبعد أنْ يرفع العراق دعوى ضد تركيا أو إيران، أو كليهما، تتذاكر المحكمة في جلسة سريّة، ثم تصدر رأيها في جلسة علنية بعد إخطار الأمين العام وممثلي الأمم المتحدة وسائر الدول والمؤسسات الدولية ذات العلاقة المباشرة بالمسألة المطروحة على بساط البحث. ولها أنْ تطلب إلى بعض هذه المراجع المعلومات التي تلزمها في إبداء رأيها. والحقيقة، فلن يكون رأيها أو حكمها ملزماً إذا لم يرد نص صريح على ذلك، كما يشاهد فعلاً في بعض الاتفاقات الدولية التي تعقدها المراجع المخولة إبداء الرأي إلى المحكمة. هذا من الوجهة القانونية الصرفة، أما من الناحية الأدبية والمعنوية فإنَّ لهذا الرأي دائماً وأبداً وزنه الدولي الذي يفرض، على المرجع الذي استفتى المحكمة، وعلى كل الدول المعنية بالأمر، ضرورة مراعاته.

إضافة إلى ذلك، يسمح النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، في حال رفضت الدول المدعى عليها الإذعان للحكم أو الرأي الاستشاري، تسمح للطرف المدعي وهو العراق بالتوجه إلى مجلس الأمن الدولي واستصدار قرار منه يزيل الضرر الذي ألحقه به الطرف الرافض لحكم أو رأي محكمة العدل الدولية، وسيكون العراق عندها مزودا بحكم أو رأي استشاري دولي ناجز، يُسَهِّل له مهمته كثيرا، ويضيق الخناق على الطرف المعتدي. هذا بخصوص خيار محكمة العدل الدولية، فماذا بخصوص المحكمة الجنائية الدولية وماذا عن صلاحياتها وشروطها؟

 

المحكمة الجنائية الدولية :

تأسست المحكمة الجنائية الدولية سنة 2002، كأول محكمة شكلت على أساس ميثاق روما العالمي، و بلغ عدد الدول الموقعة على قانون إنشاء المحكمة 105 دول حتى تشرين الثاني نوفمبر 2007، وقد وقعت 41 دولة أخرى على قانون روما، لكنها لم تصادق عليه بعد، وقد تعرضت المحكمة لانتقادات من عدد من الدول التي امتنعت عن المصادقة والتوقيع على تأسيسها وهي الصين والهند وأمريكا وروسيا. تعد المحكمة الجنائية هيئة مستقلة عن الأمم المتحدة، من حيث الموظفين والتمويل، وقد تم وضع اتفاق بين المنظمتين – المحكمة والأمم المتحدة - يحكم طريقة تعاطيهما مع بعضهما من الناحية القانونية.

إنها محكمة قادرة على محاكمة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم الاعتداء، وهي تختلف عن محكمة العدل الدولية لأنها لا تشترط وجود موافقة مسبقة من قبل الطرف المدعى عليه، بل يكفي أنْ ترفع جهة في الدولة المدعية أو محكمة فيها الدعوى إلى المحكمة الجنائية الدولية. ومن الطبيعي أن تدخل جريمة تجفيف نهري دجلة والفرات، وحجز مياههما خلف السدود العملاقة واحتمال انهيار تلك السدود المقامة في منطقة ناشطة زلزاليا وحدوث فيضانات طوفانية مرعبة، ستحول سوريا والعراق ودول الخليج العربي الإيراني إلى مستنقع شاسع، وما سيترتب على الجفاف أو الفيضانات من أضرار فادحة وإبادة عامة وغير مسبوقة للبشر والحيوان والنبات ضمن باب جرائم الاعتداء التي يتحمل مسؤوليتها الأفراد الحاكمين وأصحاب القرار في الحكومتين التركية والإيرانية.

 إنَّ جريمة الاعتداء الواردة في القانون الأساسي للمحكمة غير واضحة أو محددة، ولهذا، فهي يمكن أنْ تشمل تشكيلة واسعة، كما يبدو، من نماذج الاعتداءات كقطع لمياه عن دول المصب بواسطة السدود الضخمة أو تهديد سلامة الشعوب بفعل ذلك أو بفعل تداعيات إقامة تلك السدود والبحيرات الاصطناعية كانهيارها المفاجئ بفعل الزلازل أو أعمال العنف ما يؤدي حتما إلى إحداث طوفان مدمر يضرب بلدان المنطقة وشعوبها، وعندها سيكون من العدل المطالبة بتقديم الزعماء والقيادات السيادية في الدولة التي تسببت بذلك الى المحكمة الجنائية الدولية.

تعمل هذه المحكمة الجنائية الدولية على إتمام عمل ومهمات الأجهزة القضائية الموجودة، فهي لا تستطيع أنْ تقوم بدورها القضائي ما لم تُبْدِ المحاكم الوطنية رغبتها في ذلك، أو تعلن أنها غير قادرة على التحقيق أو الادعاء ضد تلك القضايا، فهي بذلك تمثل المآل الأخير. فالمسؤولية الأولية تتجه إلى الدول نفسها، كما تقتصر قدرة المحكمة على النظر في الجرائم المرتكبة بعد 1 يوليو/تموز 2002، وهو تاريخ إنشائها، عندما دخل قانون روما للمحكمة الجنائية الدولية حيز التنفيذ. ويشترط الخبير القانوني الدولي "فانسون شيتا" لعمل المحكمة أنْ تستلم طلباً رسمياً، إما من قبل بلد عضو في ميثاق روما، أو من قبل مجلس الأمن الدولي، أو بمبادرة من المدعي العام للمحكمة الذي له الحق في طرح الموضوع أمام المحكمة إذا ما توفرت الشروط اللازمة. النقطة الأخرى التي أثارها الخبير القانوني، تخص الشروط التي يجب توفرها لفتح تحقيق من قبل المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية وهي ثلاثة شروط:

أولا: توفر دلائل تثبت حدوث الجرائم المراد النظر فيها.

وثانيا: توفر الشروط لتقبل الشكوى والتي تتمثل في خطورة طبيعة الجريمة، وأن القضية ليست مطروحة أمام المحاكم الوطنية.

وثالثا: أنْ تكون المحاكمة في صالح العدالة.

ويعتبر "فانسون شيتا" أن توفر هذه الشروط، هو الذي يسمح للمدعي العام بقبول فتح تحقيق في قضية أمام المحكمة الجنائية الدولية التي وصفها بـ "الانجاز الثوري في طريق العدالة الدولية".

وبمراجعة النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، نتعرف على مفهوم ومصطلح جريمة الإبادة الجماعية، فهي تعني أياً من الأفعال الآتية، إذا ارتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو ثنية أو عرقية أو دينية، بصفتها هذه، إهلاكا كلياً أو جزئياً:

1.قتل أفراد الجماعة.

2.إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة.

3.إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية بقصد إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً.

4.فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة.

5.نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى.

ويمكن بكل تأكيد اعتبار جريمة تجفيف دجلة والفرات وتصحير العراق وتدمير الزراعة وإحداث مجاعة أو فيضانات طوفانية فيه بسبب انهيار السدود التي شيدت في مناطق ناشطة زلزاليا ضمن مشمولات البند الثالث والقائل ( إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية بقصد إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً). كما يمكن اعتبارها ضمن مشمولات البند العاشر من الأفعال التي يشملها مفهوم ومصطلح "الجرائم ضد الإنسانية" أيضا، ويقول النص الحرفي لهذا البند ( 10- الأفعال اللا إنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمداً في معاناة شديدة أو أي آذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية ).

وكانت قناة  "هيئة الإذاعة البريطانية.. BBC" التلفزيونية، قد بثت برنامجا حول مطلب العراق بمحاكمة دولية لمرتكبي جريمة تفجيرات الأربعاء الدامي، في شهر آب /أغسطس 2009  وشارك في البرنامج كلٌّ من، علي الدباغ من العراق، وغازي دراجي من سوريا، وخبير قضائي مصري هو رئيس معهد القانون الدولي في جامعة السوربون،  فاتنا للأسف تسجيل اسمه. ويُفْهَم من كلام الخبير المصري والذي كان عضوا في المحكمة الدولية الخاصة بأحداث يوغسلافيا السابقة، أن العراق ليس عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، وقد تأكدنا من صحة هذه المعلومة من خلال الاطلاع على رسالة للويس مورينو أوكامبو، المدعي العام الرئيسي للمحكمة الجنائية الدولية، رد فيها سلباً على مجموعة من الرسائل الكويتية التي دعته إلى التحقيق فيما يحدث في العراق، معللا رده السلبي بأنَّ (العراق ليس عضواً في منظومة دول ميثاق روما الخاص بتشكيل تلك المحكمة).[7] وعموما فهذه ليست مشكلة كبيرة، ويمكن للحكومة العراقية الحالية أنْ تبادر فورا إلى التوقيع على الميثاق المذكور، إنْ لم تكن قد وقعت عليه بعد، وتطرحه على البرلمان لتشريعه وبشكل عاجل، إذْ  أنَّ عملية التوقيع أو سحب التوقيع على الميثاق أمران مفتوحان، وكانت دولة السودان قد سحبت توقيعها على هذا الميثاق بعد أنْ وجهت المحكمة الاتهام إلى الرئيس السوداني عمر البشير في قضايا دارفور. إضافة إلى ذلك، فالعراق يمكنه رفع دعوى عن طريق دولة أخرى عضو آخر في ميثاق روما. وهناك معلومة مهمة أخرى، قالها الخبير المصري، وأرى من المفيد سوقها هنا لفائدة القارئ ومفادها: إنَّ الأمر المهم ليس موافقة الأمم المتحدة على إرسال لجنة تحقيق، بل تشكيل محكمة خاصة بهذه الجريمة. وقد استشهد الخبير المذكور بالعديد من اللجان التحقيقية التي شكلت كلجنة الحقيق بجرائم إسرائيل إبان عدوانها الدموي على غزة، ولكن ملفات وتقارير تلك اللجان ذهبت ببساطة إلى الأرشيف ولم تنتج شيئاً ذا بال.

علاوي يسحب توقيعه من ميثاق روما:

في هذا الصدد، نسجل أنَّ العراق كان  قد وقع فعلا على ميثاق روما وسحب التوقيع بعد أيام قليلة في عهد حكومة الاحتلال الأولى برئاسة إياد علاوي. وقد وردت هذه المعلومة في مقالة للباحث العراقي في الشؤون القانونية د. أكرم عبد الرزاق المشهداني، و ورد فيها على الخصوص ما يلي ( لم يكد يمض على صدور قرار حكومة السيد إياد علاوي بضعة أيام، حتى أعلنت تراجعها عن قرار الانضمام إلى اتفاقية روما بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، حيث كان مجلس الوزراء برئاسة د. علاوي أصدر قراراً جاء فيه "استنادا لأحكام القسم الثاني من ملحق قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، وبناء على موافقة مجلس الرئاسة، قرر مجلس الوزراء أنْ تنضم جمهورية العراق إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الموقع في روما في 17 يوليو من عام 1998". وسارعت فرنسا لإعلان ترحيبها بانضمام العراق للاتفاقية"..." ولكن بعد مضي أيام قليلة، ونتيجة ضغوط لم يعلن رسميا عن مصدرها، لكنها معلومة من قبل من يعرفون موقف الولايات المتحدة من اتفاقية إنشاء المحكمة المذكورة )[8].

والواقع، فإنَّ سبب سحب التوقيع بالموافقة العراقية على ميثاق روما، لا يعدو أنْ يكون وراءه واحد من سببين، و قد يكون مزيجاً من السببين كليهما: الأول، هو نتيجة للضغط الأمريكي والإسرائيلي على حكومة علاوي سيّما وأنَّ الدولتين أمريكا وإسرائيل كانتا قد سحبتا توقيعيهما وموافقتيهما على ذلك الميثاق، وليس من المنطقي أن تتمرد حكومة تابعة لأمريكا، شكلت من قبلها كحكومة أياد علاوي، على إرادتها السياسية. والسبب الثاني يتعلق بتورط علاوي وأركان حكومته آنذاك في أعمال القمع والبطش الدموي الذي بلغ درجة ارتكاب جرائم حرب خلال مشاركتهم مع قوات الاحتلال في تدمير و قمع مدينتي الفلوجة والنجف في السنوات الأولى للاحتلال، ويبدو أنَّ مخاوف علاوي وأركان حكومته من ملاحقة المحكمة الجنائية الدولية لهم بتهمة ارتكاب جرائم حرب هي التي حدت به إلى سحب توقيع حكومته على ميثاق روما.

وعن السبب الذي دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى سحب توقيعها على ميثاق روما، ورفض الخضوع للمحكمة الجنائية الدولية، رغم أنها تحثُّ وتشجع الدول الأخرى على الانضمام له، يكتب د. المشهداني ما يأتي ( ويمثل الموقف الأميركي من موضوع المحكمة الجنائية الدولية موقفا متحيزا وغريبا، إذ رغم أنها كانت من المتحمسين لفكرة إنشاء المحكمة و أوحت لمختلف دول العالم إنها المساند والداعم لها، نجدها - في وقت التوقيع - لا توقع ولا تصادق عليها، لكنها بنفس الوقت تحث الدول الحليفة والتابعة على الانضمام، وأصرت الولايات المتحدة على استحصال قرار من مجلس الأمن الدولي بعدم جواز محاكمة الجنود الأميركان أمام المحكمة عما يقترفونه من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والسبب الحقيقي في هذا الموقف، هو الخشية من تعرض ضباط وجنود الجيش الأمريكي المنتشرين في أنحاء العالم للمساءلة عن قضايا تعد من جرائم الحرب)[9].

 

الخلاصة :

 

فشلَ آخر اجتماع وزاري شارك فيه العراق وتركيا وسوريا سنة 2009، حين رفضت تركيا التوقيع على اتفاقية لتقاسم مياه الفرات، وجعلت من البروتوكول المؤقت لسنة 1987، الذي تسمح بعبور 500 م3/ ثانية للبلدين اتفاقا نهائيا. تركيا تصرُّ على اعتبار الرافدين نهرين تركيين عابرين للحدود، وليسا نهرين دوليين. وزير الطاقة التركي "تانر يلدز" وجه إهانة قاسية لضيوفه حين رفض التوقيع على اتفاقية التقاسم بحجة عدم وجود ما يكفي من مياه خلف سد آتاتورك. لهذا، بات من الضروري أن يواجه العراق الوضع الخطير بتدويل موضوع الرافدين ورفع شعار الدفاع عن النفس باستعمال كافة الوسائل والعمل على مقاضاة تركيا في محكمة العدل الدولية أو عبر المحكمة الجنائية الدولية. هناك عدة أساليب وطرق للتقاضي أمام المحكمتين و لكنْ، ينبغي للعراق أولاً، أنْ يوقع مجددا على ميثاق روما الخاص بالثانية بعد أنْ سحب إياد علاوي توقيعه عليه خوفاً من مقاضاته بتهم جرائم حرب ارتكبها خلال ترأسه مجلس الوزراء في سنوات الاحتلال الأولى. إنَّ مواد هذا الميثاق تنطبق تماما على ما تقوم به تركيا بحق العراق والعراقيين. هناك مخطر حدوث جفاف وتصحر في العراق بسبب حجب تركيا لمياه النهرين، وهناك احتمالات مقابلة لا تقل خطورة عن حدوث فيضانات طوفانية إذا انهارت السدود التركية المقامة في منطقة ناشطة زلزاليا تهدد سوريا والعراق ودول الخليج بالتدمير الشامل وتحويل الشرق الوسط إلى منطقة مستنقعات مرعبة، وهذا ما يجعل من العدل تقديم المسؤولين عن هذه الكارثة في حال وقوعها إلى المحكمة الجنائية الدولية. 

 

[1] - تقرير صوتي مسجل للقاء إذاعة دوتشة فيله الألمانية /القسم العربي مع حسني محلي.

 

[2] -  معلوم أنَّ هذا الأمر لم يعلق عليه نظام صدام حسين وقتذاك بكلمة واحدة، في حين كان الرئيس الراحل أحمد حسن البكر سنة 1975 أكثر جرأةً  منه حين بادر إلى تهديد سوريا بتدمير سد "طبقة" بالقوة العسكرية بعد أن أدى حجب مياه الفرات لملئه بالمياه آنذاك إلى حالة نقص وجفاف مريعَين في العرق فتراجع حافظ الأسد عن قراره بحجب المياه واكتفى بنسبة متفق عليها منه.

[3] - عودة نجم. تقرير تحليلي لصافي الياسري في نشرة " الملف/ بغداد".

[4] - المقصود هنا حكم المحاصصة الطائفية التي شُكِّل بعد احتلال العراق وقبل انسحاب قوات الاحتلال المعلن. كما ينبغي التفريق ما بين المحكمة الجنائية الدولية تأسست سنة 2002، ومقرها في هولندا، وهي منفصلة ومستقلة عن الأمم المتحدة تمويلا وإدارة ، ومحكمة العدل الدولية ومقرها " لاهاي" بهولاندا، والتي تدعى اختصاراً في بعض الأحيان المحكمة الدولية (وهي ذراع تابع للأمم المتحدة يهدف لحل النزاعات بين الدول)،  لذلك لابد من التنويه إلى أنهما هيئتان و نظامان قضائيان منفصلان.

[5] - إسماعيل د.سليمان عبد الله . السياسة المائية لدول حوضي دجلة والفرات . مركز كردستان. ص 278 .

[6] - إسماعيل د.سليمان عبد الله . م. س . ص 279

[7] - الرأي العام الكويتية عدد 6/8/2008.

 

[8] - المشهداني عبد الرزاق . لماذا تراجع العراق عن الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية. دنيا الوطن ، عدد 3/5/2005

[9] - المصدر السابق.