هل يمكن للعراق تدويل قضية الرافدين ومقاضاة تركيا أمام محكمة العدل الدولية؟

علاء اللامي

كنت قد كتبت في صيف 2012 الأسطر التالية وكأنني كتبتها قبل ساعات (إنَّ من العاجل والضروري أنْ يبادر الحكم العراقي، رغم تحفظاتنا الكثيرة والشديدة على طبيعته السياسية، وتحالفه مع الاحتلال الأجنبي، إلى تدويل هذا الملف من خلال رفعه إلى هيئة الأمم المتحدة وإلى محكمة العدل الدولية وإلى المحكمة الجنائية الدولية، ومطالبة الهيئة الأممية بالإشراف المباشر والعملي عليه، من خلال إرسال بعثة رسمية دائمة منها إلى العراق لمتابعة التطورات الخطيرة على الأرض والتي تنبئ عن بلوغ حالة الكارثة الوطنية الشاملة). وهذه فقرات أخرى من هذا الفصل من كتابي المشار إليه وقد حدثتُ وطورتُ واختصرتُ بعض المعطيات فيها بما أوجبه مرور الزمن:
(أما بخصوص محكمة العدل الدولية، فالمعلوم أنَّ تركيا سترفض الموافقة على المثول أمامها، لأنها رفضت التوقيع على الاتفاقية التي أشرفت عليها الأمم لمتحدة في التسعينات من القرن الماضي، والتي تدعى "اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية" والتي تعتمدها هذه المحكمة ضمن ما تعتمد من اتفاقيات وقوانين. (كتبت هذه الملاحظة قبل المصادقة النهائية على تلك الاتفاقية سنة 2014 والآن وقد أصبحت تلك الاتفاقية جزءا من القانون الدولي فهي تطبق على تركيا وعلى غيرها وبغض النظر عن تحفظاتها أو عدم مصادقتها عليها. فليس من حق أية دولة الخروج على القانون الدولي كما يقول القانون الدولي نفسه وليس هناك دولة فوق القانون الدولي سوى إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية بقوة البلطجة النووية.ع.ل) والواقع فإنَّ النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية يشترط لتحقيق ما يسمى "اختصاص الإلزام الأساسي" اعتماد أحد الأساليب الآتية التي نصت عليها المادتين 36-37 للتعبير عن إرادة الدولة باللجوء إلى المحكمة من أجل منازعاتها القانونية بأحد الأساليب الآتية: 
أ‌- أسلوب الاتفاقات الخاصة.(special agreement ) بمقتضى هذا الأسلوب، يمكن لدولتين أو أكثر، أنْ تتفقا على إحالة نزاع قائم بينهما إلى محكمة العدل الدولية عن طريق توقيع اتفاقية تعقد فيما بينهما لهذا الغرض. وهذا الأسلوب سترفضه تركيا وإيران كما هو متوقع لأنهما تعرفان أنهما مدانتان حكما بموجب القانون الدولي.
ب‌- أسلوب التعهد المسبق pre-earlier commitment: وبموجب هذا الأسلوب تقبل أية دولة باختصاص محكمة العدل الدولية للنظر في المنازعات التي قد تنشب في المستقبل بينها وبين الدول الأخرى، وهذا الأسلوب خارج الصدد، لأن القضية التي نحن بصددها ليست مستقبلية بل واقعة فعلاً ولها امتدادها المتحقق في الماضي ولكن العراق يمكن أن يلجأ إلى هذا الأسلوب فيقيم دعوى ضد تركيا على ضوء ما سيحدث من تطورات كارثية مستقبلا وخصوصا بعد تشغيل سد أليسو العملاق على دجلة.
ت‌- أسلوب التصريح الاختياري: Voluntary declaration: يمكن للدول، الأطراف في النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، أنْ تعطي تعهداً واسعاً في أي وقت تشاء بإعلانها قبول الاختصاص الإلزامي للمحكمة، تجاه أي دولة تقبل بنفس التعهد في المسائل المتعلقة بتفسير معاهدة. وهذا الأسلوب مستبعد أيضا، بسبب مواقف تركيا وإيران الرافضة المتوقعة لخيار محكمة العدل الدولية ولأنهما ليست من الدول المتحضرة التي تحترم شعوبها وتقيم وزنا للقانون الدولي وحسن الجوار ولا يمكن مقارنة قيادتي تركيا وإيران بقيادات دول أخرى وافقت على المثول أمام محكمة العدل الدولية كما في الأمثلة التي سنذكرها بعد قليل.
*ورغم ذلك يبقى من واجب الحكومة العراقية تدويل هذا الملف والتقدم بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة وحتى إلى محكمة العدل الدولية من طرف واحد وبقوة تتناسب وطبيعة الخطر المحدق به وطنا وشعبا. والهدف من ذلك هو تعرية مواقف السلطات الحكومية في تركيا وإيران تماما، وكشف حقيقتهما المعادية للعراق وشعبه أمام شعبيهما وشعوب العالم أجمع إذا ما رفضتا هذا الخيار، وهذا بحد ذاته إنجاز ليس بالضئيل وخطوة على طريق إنقاذ العراق والعراقيين. 
إن رفض تركيا أو إيران المتوقع للموافقة على التحكيم الدولي أو التقاضي مع العراق أمام محكمة العدل الدولي ليس نهاية المطاف، بل هناك أمل كبير آخر، فحتى إذا رفضت تركيا وإيران الموافقة على التقاضي مع العراق أمام محكمة العدل الدولية بموجب اختصاص المحكمة الإلزامي، فإنَّ الأمر لا يعتبر منتهيا، إذْ أن هناك ما يسمى الاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولي. وبموجبه تختص محكمة العدل الدولية - إضافة إلى اختصاصها القضائي - باختصاص استشاري عبر إصدار آراء استشارية حول المسائل القانونية التي تحيلها إليها الهيئات المفوضة بمثل هذه الإحالة بموجب المادة "96" من ميثاق الأمم المتحدة، ومن تلك الهيئات المفوضة الجمعية العامة و مجلس الأمن و الوكالات المتخصصة المرتبطة بها وصولا إلى عقد جلسة سرية للمحكمة حتى في حال رفض تركيا الحضور وتحويل الدعوى إلى الأمم المتحدة مع طلب عراقي للمجلس باتخاذ قرار دولي يسمى " قرار إزالة الضرر" على العراق. فما هي تفاصيل هذا الخيار وإيجابياته وماذا يجب على الدولة العراقية أن تفعل لتستخدمه أفضل استخدام؟ وما هي الدول التي لجأت الى التقاضي أمام محكمة العدل الدولية حول مشاكلها المائية في أنهارها وحلتها فعلا؟ هذا ما سنجيب عليه في نص آخرقريبا.